تفسير المفردات : القرن من الناس : القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون، وقد جاء في القرآن مفردا وجمعا، ومكنه في الأرض أو في الشيء : جعله متمكنا من التصرف فيه، ومكن له : أعطاه أسباب التمكن في الأرض كقوله : وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم [ النور : ٥٥ ] وقوله : أولم نمكن لهم حرما آمنا [ القصص : ٥٧ ] والسماء : المطر، والمدرار : الغزير.
المعنى الجملي : بعد أن أرشد سبحانه في الآيات السالفة إلى دلائل وحدانيته، ودل على أنها مع ظهورها لم تمنع الكافرين من الشك، وإلى دلائل البعث، وأنها على شدة وضوحها لم تمنع المشركين من الشك والريب، وإلى أن الله المتصف بتلك الصفات التي تعرفونها هو الله المحيط علمه بما في السماوات والأرض فلا ينبغي أن يشرك به غيره فيهما، ولكن المشركين جهلوا ذلك وجوزوا أن يكون غير الرب إلها، بل عبدوا معه آلهة أخرى.
ذكر هنا سبب عدم اهتدائهم بالوحي، وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق ولفت أنظارهم إلى ما حل بالأمم قبلهم حين كذبوا رسلهم لعلهم يرعوون عن غيهم ويثوبون إلى رشدهم.
وبعد أن توعدهم سبحانه بنزول العذاب بهم بين أن هذا ما جرت به سنته في المكذبين قبلهم فقال : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم .
الإيضاح : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم أي ألم يعلم هؤلاء الكفار المكذبون بالحق أنا أهلكنا كثيرا من الأقوام الذين كذبوا الرسل بعد أن أعطيناهم من التمكين والاستقلال في الأرض وأسباب التصرف فيها ما لم نعطهم مثله، ثم لم تكن تلك النعم بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بذنوبهم وعتوهم واستكبارهم.
وذكر بعد هذا ما امتازت به تلك القرون عن كفار قريش من النعم الإلهية التي اقتضتها طبيعة بلادهم وخصب تربتها فقال :
وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم الإرسال : تارة يكون ببعث من له اختيار كإرسال الرسل، وتارة بالتسخير كإرسال الريح والمطر، وتارة بترك المنع نحو : أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين [ مريم : ٨٣ ] أي وسخرنا لهم الأمطار الغزيرة التي تكون الأنهار المترعة بالمياه، وهديناهم إلى الاستمتاع بها بجعلها تجري دائما تحت مساكنهم التي يبنونها على ضفافها، أو في الجنات والحدائق التي تتفجر خلالها فيتمتعون بالنظر إلى جمالها واستنبات الأشجار والثمار التي يأكلونها، ويولدون النعم والماشية التي تتغذى من مراعيها.
والخلاصة : إنهم أوتوا من البسطة في الأجسام، والامتداد في الأعمال، والسعة في الأموال، والاستمتاع بلذات الدنيا ما لم يؤته أهل مكة، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا فكفروا بأنعم الله ولم يؤمنوا بما جاءهم به أنبياؤهم، بل كذبوهم فاستحقوا العقاب وإلى ذلك أشار بقوله :
فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين أي فكان عاقبة أمرهم أن أهلكنا كل قرن منه بسبب ذنوبهم التي كانوا يجترحونها، وأوجدنا من كل منهم قرنا آخر يعمرون البلاد ويكونون أجدر بشكران النعمة.
والذنوب التي تدعو إلى الهلاك ضربان :
( ١ ) معاندة الرسل والاستكبار والعتو والتكذيب
( ٢ ) كفران النعم بالبطر وغمط الحق وظلم الضعفاء ومحاباة الأقوياء والإسراف في الفسق والفجور والغرور بالغنى والثروة، كما جاء في قوله : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين٥٨ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون [ القصص : ٥٨ ٥٩ ].
وفي هذه الآية رد على كفار مكة وهدم لغرورهم بقوتهم وثروتهم بإزاء ضعف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفقرهم كما حكى الله عنهم في قوله : وقالوا نحن أكثر منه أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [ سبأ : ٣٥ ].
وهؤلاء القوم الذين يخلفون من نزل بهم عذاب الله لا بد أن يخلفوا عنهم في صفاتهم وإن كانوا من أبناء جنسهم، فالعبر والحوادث واختلاف الزمن لها تأثير كبير في النفوس تخفف من غلواء الناس وتقلل من بطشهم وعتوهم، وفي المشاهدة أكبر دليل على صحة ذلك.
انظر إلى ما فعلته الحرب العظمى الثانية في نفوس الشعوب في الشرق والغرب، فإنه قد نشأ بعدها جيل أقل بطرا وانغماسا في الشهوة والترف وما ينشأ عنهما من الفسق والفجور من سابقه، وكذلك في حسن معاملة الناس بعضهم لبعض وحفظ الحقوق والمساواة فيها.
ولا يعلم إلا الله ما ستنتهي إليه تلك الحروب الضروس الدائرة رحاها الآن ولا ما ستتمخض عنه من الحوادث الجسام في مستقبل الأمم والشعوب، ولا ما سيكون لها من التأثير في النظم الاجتماعية والاقتصادية والصلات والروابط بين بعض الأمم وبعض.
تفسير المراغي
المراغي