ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

يقول الله جل وعلا : وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إني أراك وقومك في ضلال مبين [ الأنعام : آية ٧٤ ].
قرأ هذا الحرف نافع، وأبو عمرو، وابن كثير إني أراك وقومك في ضلال مبين وقرأه الباقون من السبعة : إني أراك وقومك في ضلال مبين وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان.
ووجه مناسبة هذه الآية الكريمة للتي قبلها التي كنا نفسرها بالأمس : أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : ارجعوا إلى ديننا، فاعبدوا معنا معبوداتنا، وأنزل الله في ذلك : قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا [ الأنعام : آية ٧١ ] لما بين الله أنهم دعوهم إلى عبادة الأوثان، وأنهم لا يمكن أن يرجعوا إلى [ الكفر ] ( في هذا الموضع يوجد مسح في التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) بعد أن علمهم الله الدين، وعلمهم توحيده الصحيح ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله هذا لا يكون، بين الله في هذه الآية سفاهة عقول مشركي مكة، وهم يقولون إن إبراهيم جدهم، وإنه على دين صحيح، وملة حنيفية سمحة ! ! فأمر الله نبيه أن يذكر لهم قصة إبراهيم مع أبيه وقومه، وتفنيده لعبادة الأوثان، وتحذيرهم من ذلك ؛ ليعلموا أن الذي يدعونكم إليه أنه كفر وضلال وسفه، وأنه مخالف لملة إبراهيم التي يقرون بأنها حسنة.
ومعنى قوله : وإذ قال إبراهيم واذكر يا نبي الله إذ أي : حين قال إبراهيم لأبيه ءازر جرت عادة العلماء أن يقدروا الناصب ل( إذ ) يقدروه :( اذكر ).
ولطالب العلم أن يقول : أين القرينة على أن العامل في هذا الظرف الذي هو ( إذ ) أنه لفظة ( اذكر )، أين قرينة ذلك ؟
الجواب : أن العلماء فهموا ذلك من استقراء القرآن، وأن الله في القصص يأتي بلفظة ( اذكر ) عاملة في ( إذ ) هذه ونحوها، كقوله : واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف [ الأحقاف : آية ٢١ ] واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون [ الأنفال : آية ٢٦ ] واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم [ الأعراف : آية ٨٦ ] ونحو ذلك في القرآن، كذلك قوله هنا : واذكر إذ قال أي : حين قال نبي الله وخليله إبراهيم قال : لأبيه ءازر التحقيق الذي لا شك فيه أن ( آزر ) بدل، أو عطف بيان من الأب، وأنه أبوه، وإن كان عامة المؤرخين يقولون : إن أبا إبراهيم اسمه ( تارح ). وقد أجاب عن هذا ابن جرير وغيره، قالوا : لا أصدق من الله، وذكر هنا أن أباه ( آزر )، وقد يكون له اسمان، أي : اسم ولقب، أحدهما :( تارح )، والثاني :( آزر ). وهذه قراءة السبعة، وجماهير القراء، وهناك قراءات شاذة : منها من قرأ : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر بضم الراء. وعلى هذا فالمعنى : يا آزر أتتخذ أصناما آلهة. ومنهم من يقول : إن ( آزر ) ليس اسم أبيه، وإنما هو اسم صنم. والذين قالوا : هو اسم صنم، قالوا : كثرت عبادته لذلك الصنم، وملازمته إياه حتى نبز به، كما قيل في ابن قيس الرقيات ؛ لأنه تشبب بنساء متعددة، كلهن تسمى ( رقية )، فنبزوه بها. وفيه قراءات شاذة غير هذا، وأقوال أخر لا معول عليها.
واعلموا أن قصة أبي إبراهيم هذه ذكرها الله مرارا كثيرة في سور متعددة من كتابه، وكلها صريح في أنه أبوه لا عمه، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله حرف واحد يدل على أنه عمه، إلا أن أهل السير أولعوا بأن قالوا : أبوه : عمه. والذي يجب علينا جميعا هو تصديق الله، وأن لا نحرف كلام الله، ولا نفسره بغير معناه إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة، فاحترام الله واجب، واحترام كتابه واجب، ومن أوجب احترامه : أن لا نحرفه، ولا ننقل لفظا منه عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، لا سيما والله في آيات كثيرة من كتابه جاء بالقصة بعبارات مختلفة، منها ما هو في الخطاب، ومنها ما هو في غيره، كلها صريحة في أنه أبوه لا عمه.
والأب إذا أطلقته العرب انصرف إلى أب الرجل الذي ولده، ولا يجوز أن يحمل على أنه عمه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، لا سيما لو كثر ذكره في القرآن بعبارات كثيرة مختلفة، على أنحاء مختلفة، كلها صريح في أنه أبوه، فنقلها إلى عمه من غير دليل من كتاب ولا سنة تجرؤ على الله وعلى كتابه بما لا يجوز. وأهم شيء في التعظيم والاحترام : كلام خالق السماوات والأرض، والحذر من أن يبدل أو يحرف، الله قال هنا : وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر [ الأنعام : آية ٧٤ ] وقال في موضع آخر في سورة الأنبياء : ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون [ الأنبياء : الآيتان ٥١، ٥٢ ] وقال في الشعراء : واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون [ الشعراء : الآيتان ٦٩، ٧٠ ] وقال في سورة مريم : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك إلى آخر الآيات. [ مريم : الآيات ٤١ ٤٣ ]. وقال في براءة : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [ براءة : آية ١١٤ ] وهذا كثير في القرآن، وكذلك قال نفس إبراهيم : واغفر لأبي إنه كان من الضالين [ الشعراء : آية ٨٦ ] فجاء مرارا كثيرة بكلام خالق السماوات والأرض، وليس لنا أن نحرف كلام الله، ولا أن نحمله على غير معناه إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب وسنة، وكونه أباه لو كان فيه منقصة أو مضرة على إبراهيم لما كان إبراهيم يقول : واغفر لأبي إنه كان من الضالين [ الشعراء : آية ٨٦ ] وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [ التوبة : آية ١١٤ ] فشرف إبراهيم، وجلالته، ومكانته هي هي، لا ينقصها شيء من ذلك، وعلى كل حال فعلينا أن نصدق الله، ولا نحرف كلامه، ونحمله على غير معناه افتراء على الله من غير برهان من كتاب ولا سنة.
ومعنى قوله : وإذ قال إبراهيم واذكر إذ قال نبي الله وإبراهيم وخليله لأبيه ءازر وكان في قوم يعبدون الكواكب السيارة السبعة، ويعبدون تماثيل أصنام أرضية، فلهم معبودات أرضية، ومعبودات سماوية، معبوداتهم الأرضية : أصنام، وتماثيل، يزعمون أنهم يجعلون صورها وأشكالها على هيئة الملائكة، ويعبدونها لتشفع لهم عند الله، وكذلك يعبدون الكواكب السيارة التي هي الشمس، والقمر، وزحل، والمشتري، والزهرة، وعطارد، والمريخ، كما هي معروفة. قال لهم نبي الله إبراهيم موبخا لهم مسفها أحلامهم : قال لأبيه ( آزر ) منكرا عليه بهمزة الإنكار : أتتخذ أصناما ءالهة المعنى : أتتخذ تماثيل مصورة من حجارة، أو من غيرها من الأجسام، تتخذها آلهة تعبدها من دون الله، وتصرف لها حقوق الله، مع أنها لا تنفع ولا تضر ؟ هذا مما لا يليق ! ! كما قال له : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ مريم : آية ٤٢ ] وقد أفحمهم بالحجة في سورة الأنبياء، وذلك كما قصه الله في الأنبياء، والصافات، أنه ما كان يجد فرصة يكسر أصنامهم فيها ؛ لأنه إن كسرهم وهم ينظرون أهانوه وآذوه، وكان يرتقب فرصة يكسرهم فيها، حتى جاء يوم عيدهم، فجاؤوا بطعامهم وشرابهم ووضعوه عند الأصنام، وقالوا للأصنام : اجعلوا لنا البركات والخيرات في هذا الطعام والشراب حتى نرجع من عيدنا، وقالوا لإبراهيم، اخرج معنا إلى عيدنا. فقال إني سقيم . يريد أن يتخلص منهم ليكسر الأصنام، فلما خرجوا جاء إلى الأصنام وبيده الفأس، فوجد الطعام عندهم فقال ألا تأكلون مستهزئا بهم، لم لا تأكلون من الطعام ؟ كما قال في الصافات : فقال ألا تأكلون [ الصافات : آية ٩١ ] فراغ عليهم ضربا باليمين [ الصافات : آية ٩٣ ] يضربهم ويكسرهم بيمينه بالفأس، فلما كسرهم ترك كبيرهم، وهو أعظم صنم عندهم، يقولون : إنه مرصع بالجواهر، وأن عليه ياقوتتان. علق الفأس في عنقه، فلما جاؤوا من عيدهم وجدوا الأصنام مكسرة، والفأس معلقا في عنق الكبير فقالوا : من فعل هذا بآلهتنا ؟ فدلوا على إبراهيم، كما فصله الله في سورة الأنبياء : ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال مبين [ الأنبياء : الآيات ٥١ ٥٤ ] وكما قال هنا في الأنعام : إني أراك وقومك في ضلال مبين [ الأنعام : آية ٧٤ ] فأجابوا : أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين [ الأنبياء : آية ٥٥ ] فأجابهم أنه جاء بالحق : بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين [ الأنبياء : آية ٥٦ ] ثم قال : وتالله لأكيدن أصنامكم يعني بكيدها : أن يكسرها من حيث لا يحضر أحد يراه بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا وفي القراءة الأخرى : جذاذا أي : كسرهم إلا كبيرهم لهم لعلهم إليه يرجعون فلما رجعوا قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يعيبهم ويقول : إنه يكيدهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون يشهدون عليه أنه الذي فعل هذا، فاستنطقوه وقالوا : ءأنت فعلت هذا بئالهتنا يا إبراهيم ؟ هذا يعني : جعلهم جذاذا، قال إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون [ الأنبياء : الآيات ٥٧ ٦٣ ] إلى أن قالوا له : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [ الأنبياء : آية ٦٥ ] أنت تعرف أن هؤلاء جماد، ما عندهم نطق، ولا يتكلمون. وكان هذا هو قصده، فقال : أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون [ الأنبياء : آية ٦٧ ] فلما أفحمهم بالحجة والبرهان والدليل لجؤوا إلى القوة قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [ الأنبياء : الآيات ٦٨ ٧٠ ] هذه القصة مكررة في القرآن، ومما بسطها الله فيه : سورة الأنبياء، وذلك معنى قوله هنا في الأنعام : وإني أراك وقومك في ضلال مبين [ الأنعام : آية ٧٤ ] أي : في ذهاب عن طريق الحق بين واضح لكل من له أدنى عقل، كيف تتركون عبادة الخالق، الرازق، النافع، الضار، المحيي، المميت، وتعبدون جمادات لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر ؟ ! ! هذا هو الضلال المبين الواضح لكل من له أدنى عقل.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير