الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس شيء أسرع جريانًا ونفاذًا من الريح.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي الصُّورِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: في صور الخلق، وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَالِمُ الْغَيْبِ).
أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض.
(وَالشَّهَادَةِ).
ما يشهد بعضهم بعضًا.
أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه.
(وَهُوَ الْحَكِيمُ): في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في بعثهم، والحكيم، هو واضع الشيء موضعه.
(الْخَبِيرُ) بكل شيء.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ).
قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم، عليه السلام. والحسن يقرأ: (آزرُ)، بالرفع ويجعله اسم أبيه.
وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصنامًا آلهة.
وقوله: (أَتَتَّخِذُ).
استعظامًا لما يعبد من الأصنام دون اللَّه؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل.
وقال أبو بكر الكيساني: قوله: (آزر) هو قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: يا ضال أتتخذ أصنامًا آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم.
وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - سماه ضالا. وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في حال الفترة؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك الوقت رسولًا، إنما بعث رسولًا من بعد، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: ضلالًا لا شك فيه ولا
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم