ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

وأوضئه» «١». ومنها حديث عن كعب الأحبار جاء فيه «إن الحواريين قالوا لعيسى يا روح الله هل بعدنا أمة قال نعم يأتي بعدكم أمة حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم في الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل» «٢».
أما ما جاء في الآية من حكاية قول عيسى عليه السلام عن رسالته من قبل الله تعالى ففي الأناجيل المتداولة كثير من العبارات ما يؤيد ذلك. وقد أوردنا بعض النصوص في مناسبات سابقة وبخاصة في سياق تفسير سورة الزخرف.
ونكتفي هنا بإيراد نبذة جاءت في الإصحاح السابع من إنجيل يوحنا (إن تعليمي ليس هو لي بل للذي أرسلني. إن شاء أحد أن يصنع مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أنا أتكلم من عندي. إن من يتكلم من عنده إنما يطلب مجد نفسه. فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق ولا جور عنده) «٣».
[سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)
. تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) والآيات الثلاث بعدها وما فيها من تلقين وردّ على زعم المستشرقين بأن الغنائم كانت هدف الجهاد
عبارة الآيات واضحة. ولم يورد المفسرون رواية ما في صددها. والمتبادر

(١) تفسير ابن كثير.
(٢) الخازن والزمخشري.
(٣) العبارة منقولة من الطبعة الكاثوليكية.

صفحة رقم 571

أنها متصلة بمطلع السورة. وفيها عود على بدء في الحث على الجهاد. وهذا يؤيد ما قلناه إن الآيات التي جاءت بعد ذلك المطلع قد جاءت على سبيل التعقيب والاستطراد والتدعيم ويسوّغ ترجيح نزول هذه الآيات وما قبلها معا.
وأسلوب الحثّ والترغيب الذي جاءت عليه قوي. وقد احتوت بشارتين للمؤمنين الذين وجّه إليهم الخطاب: أولاهما أخروية وهي رضاء الله تعالى ومغفرته وجناته. وقد قدمت بالذكر لأنها خير وأبقى. وثانيتهما دنيوية مما يحبونه وهي النصر في الجهاد الذي يدعون إليه والفتح السهل القريب الذي سوف ييسّره الله لهم.
وننبه إلى أن سورة الفتح التي تأتي بعد هذه السورة في ترتيب النزول قد احتوت تنويها بفتح الله المبين الذي تمثل في صلح الحديبية. واحتوت كذلك إشارة إلى فتح قريب ومغانم كثيرة يسرها الله للمسلمين. وهذا ما كان نتيجة لوقعة خيبر التي وقعت بعد صلح الحديبية مباشرة تقريبا. وهكذا تكون البشارة الدنيوية التي احتوتها الآيات لم تلبث أن تحققت فكان ذلك في معجزات القرآن الباهرة.
وقد يكون هذا التوافق بين السورتين دليلا أو قرينة على صحة ترتيب نزول هذه السورة بين يدي نزول سورة الفتح.
ولقد كان ما احتوته هذه الآيات من بشارة دنيوية وما احتوته آيات أخرى من إشارة إلى الغنائم التي تدخل في يد المسلمين نتيجة للحركات الجهادية التي يقومون بها وسيلة لغمز الأغيار وقولهم إن القرآن كان يثير في نفوس المسلمين مطامع الغنائم والفتح ليحملهم على القتال حتى لقد قال بعضهم إن بعض الوقائع الحربية مثل وقعة خيبر لم تكن إلّا وسيلة إلى ملء أيدي المسلمين بالمغانم ومكافأة لهم على الإسلام.
وننبه أولا: على أن حثّ المسلمين على القتال لم يقتصر في أي موضع قرآني على الإغراء بنتائجه الدنيوية، بل كان الترغيب في ذلك يأتي على الهامش كما يظهر من هذه الآيات وآيات كثيرة أخرى منها ما مرّ ومنها ما سوف يأتي. بل

صفحة رقم 572

إن أكثر الآيات التي حثّت المسلمين على الجهاد قد اقتصرت على الترغيب برضاء الله وجزائه الأخروي وعلى بيان ما في الجهاد من واجب عظيم وضرورة مبرمة لإعلاء كلمة الله ومقابلة العدوان وضمان حرية الدعوة إلى دين الله وحرية المسلمين وأمنهم. ومن دليل على صحة إيمان المؤمنين. بل وكان الخطر والقتل والأذى والجهد هو الأكثر توقعا وورودا والذي نبّه إليه القرآن في آيات كثيرة «١».
وثانيا: على أننا لسنا نرى شذوذا أو محلا للغمز في القرآن حتى فيما يحتويه من بشرى الفتح والغنائم والترغيب فيهما لأن ذلك متسق كل الاتساق مع طبيعة الحياة. وهذا هو أسلوب القرآن عامة في معالجة الأمور كما نبهنا على ذلك في مناسبات عديدة سابقة ونوهنا بما في هذا من حكمة سامية ترشح الشريعة الإسلامية للخلود.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤) [١٤].
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ إلخ وما فيها من تلقين
وهذه الآية متصلة بالموضوع نفسه بأسلوب آخر فيه تمثيل وتذكير وحثّ ودعوة إلى التأسي:
(١) فالمؤمنون مدعوون إلى أن يكونوا أنصار الله.

(١) اقرأ الآيات التالية: البقرة [١٩٥ و ٢١٦ و ٢١٨] وآل عمران [١٥١- ١٧٥] والنساء [٧٤- ٧٩ و ٨٣ و ٩٤- ١٠٠ و ١٠٤] والأنفال [٨ و ٣٨- ٣٩ و ٦٧- ٦٨] والتوبة [٢٤ و ٣٨- ٥٣ و ٨١- ٩٩ و ١١١ و ١١٩- ١٢٢] والأحزاب [٩- ٢٠].

صفحة رقم 573

(٢) وعليهم أن يتأسوا بالحواريين الذين استجابوا إلى دعوة عيسى ابن مريم عليه السلام حينما هتف من أنصاري إلى الله فأعلنوا أنهم أنصار الله.
(٣) وكان نتيجة لذلك أن آمنت طائفة من بني إسرائيل بعيسى ورسالته وكفرت طائفة فأيّد الله المؤمنين على أعدائهم الكافرين فظهروا عليهم وانتصروا.
والفقرة الأخيرة من الآية تنطوي على بشارة ضمنية أخرى للمسلمين إذا ما استجابوا إلى دعوة الجهاد يكون الله مؤيدهم على الذين كفروا ومظهرهم عليهم.
والفقرة تنطوي كذلك على بيان أسباب ما سجله التاريخ قبل نزولها وإلى حين نزولها من حقيقة وهي انتصار الذين آمنوا بعيسى عليه السلام على الذين كفروا به من بني إسرائيل.
والآية وثيقة الصلة بما قبلها، والمرجح أنها نزلت معها ومع ما قبلها معا.
والحواريون يذكرون هنا للمرة الثانية. وقد ذكروا في المرة الأولى في الآية [٥٢] من سورة آل عمران التي ذكر فيها ما ذكر في هذه الآية من أنهم قالوا نحن أنصار الله حينما هتف عيسى عليه السلام من أنصاري إلى الله. ثم ذكروا للمرة الثالثة في أواخر سورة المائدة بأسلوب آخر حيث جاء في آية أنهم آمنوا نتيجة لوحي الله لهم بذلك ثم طلبوا من عيسى استنزال مائدة من السماء كوسيلة إلى ازدياد إيمانهم بصدق عيسى ورسالته، فدعا عيسى ربه فاستجاب له وأنزل المائدة على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسيرها. وقد شرحنا ماذا تعني الكلمة في سياق آية آل عمران المذكورة وأوردنا أسماء الحواريين فنكتفي بهذه الإشارة دون الإعادة. وواضح أن العبارة القرآنية لا تفيد أن الحواريين هم فقط الذين آمنوا برسالة عيسى عليه السلام عليه السلام من بني إسرائيل في حياته. بل تفيد أن جماعة أخرى قد آمنوا أيضا وهو ما كان حقا.
وجملة فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ قد تفيد أن الانتصار الذي تمّ للمؤمنين برسالة عيسى عليه السلام على الكافرين بها قد وقع بعد وقت ما. وهو ما كان حقا أيضا.

صفحة رقم 574

سورة الفتح
في السورة إشارة إلى أحداث ومشاهد سفرة الحديبية وصلحها وما يسّره الله للمسلمين من فتح خيبر وغنائمها على ما أجمع عليه المفسرون وكتاب السيرة القدماء. وفيها تثبيت وتطمين ربانيان بمناسبة تلك الأحداث والمشاهد. وإشارة إلى مواقف بعض الأعراب المسلمين منها. وإشارة إلى وجود مؤمنين يكتمون إيمانهم في مكة. وإيذان جديد بوعد الله بإظهار الإسلام على الدين كله. وتنويه بأصحاب النبي ﷺ وما كانوا عليه من ورع وتقوى.
وآيات السورة منسجمة في الموضوع والظرف. وهذا يسوّغ القول بوحدة نزولها ونزول فصولها متتابعة.
والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي أن هذه السورة نزلت في طريق عودة النبي ﷺ من الحديبية إلى المدينة. وقد أورد المفسرون بعض أحاديث مؤيدة لذلك. منها حديث أخرجه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب قال «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يردّ عليّ، فقلت في نفسي: ثكلتك أمّك يا ابن الخطاب ألححت على رسول الله ثلاث مرّات فلم يردّ عليك. فركبت راحلتي فحركت بعيري وتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء فإذا أنا بمناد يا عمر فرجعت وأنا أظنّ أنه نزل فيّ شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نزل عليّ البارحة سورة هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» «١» ومنها حديث أخرجه الإمام أحمد أيضا عن

(١) من ابن كثير. وقد روى هذا النص البغوي من طريق غير الطريق الذي رواه منه الإمام أحمد والذي أورده ابن كثير أيضا.

صفحة رقم 575

مجمع بن حارثة الأنصاري جاء فيه «شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس؟ قالوا أوحي إلى رسول الله ﷺ فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) فقال رجل من أصحاب رسول الله: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» «١».
ومنها حديث أخرجه ابن جرير عن عبد الله بن مسعود جاء فيه «لما أقبلنا من الحديبية عرسنا فنمنا فلم نستيقظ إلّا والشمس قد طلعت. فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم قال فقلنا أيقظوه فاستيقظ فقال افعلوا ما كنتم تفعلون. وكذلك يفعل من نام أو نسي. وفقدنا ناقة رسول الله فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة فأتيته بها فركبها فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي وكان إذا أتاه الوحي اشتدّ عليه فلما سرى عنه أخبرنا أنه أنزل عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) » «٢». وفي فصل التفسير من صحيحي مسلم والبخاري حديث عن سهل بن حنيف جاء فيه «لقد رأيتنا يوم الحديبية في الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر فقال ألسنا على الحقّ وهم على الباطل. أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا.
فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا. فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: ألسنا على الحقّ وهم على الباطل. قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيّعه أبدا، فنزلت سورة الفتح»
«٣».
وهكذا تتضافر الروايات والأحاديث «٤» على أنها نزلت دفعة واحدة في طريق

(١) من ابن كثير.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) التاج ج ٤ فصل التفسير ص ٢١٢- ٢١٣ وهناك أحاديث أخرى من هذا الباب فاكتفينا بما أوردنا: انظر أيضا كتب تفسير الطبري والبغوي والزمخشري والطبرسي والخازن.
(٤) انظر ابن هشام ج ٣ ص ٣٥٥ و ٣٧٨ وابن سعد ج ٣ ص ١٣٩ و ١٥٢.

صفحة رقم 576

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية