ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

ثم تحدث كتاب الله ممتنا على المسلمين الأولين، الذين اختارهم الله لتلقي رسالة الإسلام ونقلها إلى العالمين، فبعد ما كانوا محرومين من نور الله، يعيشون في صحرائهم منعزلين على هامش الحياة، وبعدما ظلوا فترة طويلة " أمّيّين " محرومين من الوحي والرسالة، أكرمهم الله برسالة سيدنا محمد عليه السلام، وأنزل الله عليه " الذكر الحكيم " ليكون دستور الإنسانية وقانونها العام، وبين الحق سبحانه أن كتاب الله إنما أنزله ليؤدي مهمتين اثنين في وقت واحد، فهو من جهة : كتاب يعلم الإنسانية ما لم تكن تعلم، إذ ينقذها من الجهل والضلال، ومن جهة أخرى : يزكّي الإنسانية، إذ يهذب أخلاقها ويطهرها من تقاليد الجهالة والفساد، وبذلك كانت مهمة القرآن الكريم مهمة مزدوجة : مهمة تعليمية تثقيفية، ومهمة أخلاقية تربوية، وبفضله تكونت المدرسة الإسلامية المثالية، الجامعة بين تثقيف الفكر وتهذيب النفس، على أساس من التناسق والتكامل والانسجام، وذلك قوله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين٢ .
ولا بد من لفت النظر إلى حكمة يتضمنها قوله تعالى هنا : ويزكيهم ويعلمهم ، فقد جاء اللفظ الدال على التزكية " ويزكيهم " مقدما، بينما اللفظ الدال على التعليم " ويعلمهم " جاء مؤخرا، والسر في ذلك –والله أعلم- أن الإسلام يهتم بتربية النفس وتهذيب الأخلاق في الدرجة الأولى، ويهتم بتثقيف العقل وتوسيع معلوماته في الدرجة الثانية، بحيث إذا خيّر الإنسان بين علم واسع مع خلق فاسد، وعلم محدود مع خلق فاضل، كانت الأولوية لمكارم الأخلاق ولو مع قليل من العلم، لا لكثرة العلم مع فساد الأخلاق، إذْ فساد الأخلاق يضيع ثمرة العلم، ويجعل صاحبه أخطر من الجاهل بالمرة.
وقوله تعالى هنا : الكتاب والحكمة ، إشارة إلى ما أكرم الله به هذه الأمة، فقد آتاها ( الكتاب )، وبالكتاب أخرجها من " الأمية "، كما آتاها ( الحكمة )، وبالحكمة أخرجها من " الجاهلية ".
وقوله تعالى : رسولا منهم ، امتنان خاص على العرب، فبفضل رسول الله وخاتم رسله أصبحت الأمة العربية ذات مكانة خاصة بين الأمم، وبفضل الإسلام الذي كان العرب أول من حمل لواءه قام العرب بدور بارز في تاريخ الإنسانية يغبطهم عليه أكثر الأمم، وبفضل القرآن الكريم الذي نزل " بلسان عربي مبين " أصبحت اللغة العربية لغة الدين والعلم والحضارة في دنيا الإسلام الواسعة.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير