ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

وقيل : الجواب اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ، وهو بعيد، و «قالُوا » أيضاً : حال١.

فصل في تعلق هذه السورة بالتي قبلها


قال ابنُ الخطيب٢ : وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن تلك السورة مشتملةٌ على ذكر بعثة الرسول، وذكر من كان يُكذِّبهُ قلباً ولساناً فضرب لهم المثل بقوله : مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً [ الجمعة : ٥ ].
وهذه السورة مشتملةٌ على ذكر من كان يكذِّبُ قلباً دون اللسان، ويصدقه لساناً دون القلب.
وأما تعلق الأول بالآخر، فلأن في آخر تلك السُّورة تنبيه للمؤمنين على تعظيم الرسول - عليه الصلاة والسلام - ورعايةِ حقِّه بعد النداء لصلاةِ الجمعةِ، وتقديم متابعته على غيره، فإنَّ ترك التعظيم والمتابعةِ من شيمِ المنافقين، والمنافقون هم الكاذبون.

فصل في نزول السورة.


روى البخاري عن زيد بن أرقم، قال :«كنت مع عمي فسمعتُ عبد الله بن أبيِّ ابْنَ سلول يقول : لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ ، وقال : لَئِن رَجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ، فذكرتُ ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدَّقهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكذَّبني فأصابَنِي همٌّ لمْ يُصبني مثلُه، فجلست في بيتي، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - : إِذَا جَاءَكَ المنافقون إلى قوله : هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ ، وقوله : لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ، فأرسل إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال " إنَّ اللَّهَ قدْ صدقَك " ٣.
وروى الترمذي عن زيد بن أرقم، قال :" غَزوْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناسٌ من الأعراب، فكُنَّا نبدر الماء، أي : نقسمه، وكان الأعرابُ يسبقُوننا إلى الماء، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعلُ حوله حجارة، ويجعلُ النِّطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال : فأتى رجلٌ من الأنصار أعرابيًّا فأرخى زِمامَ ناقته لتِشرب، فأبَى أن يدعهُ، فانتزع حجراً ففاض الماءُ، فرفع الأعرابيُّ خشبة، فضرب بها رأس الأنصاريِّ فشجَّهُ، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال : لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ [ المنافقون : ٧ ] من حوله، يعني : الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله : فإذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل .
قال زيد : وأنا ردف عمي، فسمعت عبد الله بن أبي، فأخبرت عمي، فانطلق، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلف وجحد قال : فصدَّقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذَّبني، قال : فجاء عمّي إليَّ فقال : ما أردت إلى أن مقتك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكذبك، والمنافقون.
قال : فوقع عليّ من جرأتهم ما لم يقع على أحدٍ.
قال : فبينما أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقتُ برأسي من الهمِّ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك في أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أنَّ لي بها الخُلدَ في الدنيا، ثم إن أبا بكرٍ لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟.
قلت : ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال : أبْشِرْ ثم لحقني عمرُ، فقلتُ له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين " ٤.
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

فصل في المنافق


سُئلَ حُذيفةُ بنُ اليمانِ عن المنافقِ، فقال : الذي يصفُ الإسلامَ ولا يعملُ به٥.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ : إذا حدَّث كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلف، وإذا ائتُمِنَ خَانَ " ٦.
وروى عبدُ الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أربعٌ من كُنَّ فيه كانَ مُنافقاً خَالِصاً، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلةٌ مِنهُنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ من النِّفاقِ حتَّى يدعها : إذا ائتُمِنَ خَانَ، وإذَا حدَّث كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ " ٧.
وروي عن الحسن أنه ذُكِرَ له هذا الحديثُ، فقال : إن بني يعقوب حدَّثوا فكذبُوا، ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقاً أن تفضي بهم إلى النفاق.
وليس المعنى : أن من بدرت منه هذه الخصالُ من غير اختيارٍ واعتيادٍ أنه منافقٌ وقال - عليه الصلاة والسلام – " المُؤمِنُ إذَا حدَّثَ صَدَقَ، وإذَا وَعَدَ نجَّزَ، وإذا ائتُمِنَ وفَّى " ٨.
والمعنى : أن المؤمن الكامل إذا حدَّث صدق.
قوله :" نَشْهَدُ ".
يجري مجرى القسم كفعلِ العلم واليقين، ولذلك تلقي بما يتلقى به القسم٩ في قوله : إِنَّكَ لَرَسُولُ الله .
وفي قوله :[ الكامل ]
٤٧٧٠ - ولَقَدْ عَلِمْتُ لتَأتِيَنَّ مَنِيَّتِي***إنَّ المَنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا١٠
وقد تقدم [ الخلاف ]١١ في الصدق والكذب، واستدلالهم بهذه الآية، والجواب عنها في أول البقرة١٢.
وقال القرطبي١٣ هنا : معنى «نَشْهَدُ » نحلفُ، فعبر عن الحلف بالشهادة ؛ لأن كل واحدٍ من الحلف والشهادة إثباتٌ لأمر مُغَيَّب، ومنه قول قيس بن ذريح :[ الطويل ]
٤٧٧١ - وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أني أحِبُّهَا*** فَهَذَا لَهَا عِنْدِي، فَمَا عِنْدهَا لِيَا ؟١٤
ونظيره قول الملاعن : أشهدُ بالله.
قال الزمخشري١٥ :" والشهادة تجري مجرى الحلف في التوكيد. يقول الرجلُ : أشهدُ، وأشهدُ بالله، وأعزمُ، وأعزمُ بالله في موضع " أقْسِمُ وأُولي "، وبه استشهد أبو حنيفة على أن " أشهدُ " يمين ".
ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم وهو الأشبه.
قوله : والله يَعْلَمُ .
جملة معترضة بين قوله : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وبين قوله : والله يَشْهَدُ [ لفائدة.
قال الزمخشري١٦ :«ولو قال :" قالوا : نشهد إنك لرسول الله، واللَّهُ يشهدُ إنَّهُم لكاذبُون " لكان يُوهِمُ أن قولهم هذا كذبٌ، فوسط بينهما قوله :" واللَّهُ يعلمُ إنَّكَ لرسُولُه " ليُميطَ هذا الإبهام ».
قال القرطبي١٧ : والله يعلم إنك لرسوله كما قالوه بألسنتهم ]١٨، والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ بضمائرهم، فالتكذيبُ راجع إلى الضمائر، وهذا يدلُّ على أن الإيمان تصديقُ القلب، وعلى أنَّ الكلام الحقيقي كلامُ القلب، ومن قال شيئاً واعتقد خلافه فهو كاذبٌ، وقيل : أكذبهم الله في أيمانهم، وهو قوله : وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ [ التوبة : ٥٦ ].
قال ابن الخطيب١٩ : فإن قيل : لو قالوا : نعلم إنَّك لرسولُ الله مكان قولهم : نشهد إنَّكَ لرسُولُ اللَّهِ، تفيد ما أفاد قولهم : نشهد ؟.
فالجواب : لا ؛ لأن قولهم : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله صريحٌ في الشَّهادة على إثبات الرسالة، وقولهم : نعلم ليس بصريح في ذلك.
قوله : اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً .
قد تقدم الكلام أنه يجوز أن يكون جواباً للشرط.
ويجوز أن يكون مستأنفاً جيء به لبيان كذبهم وحلفهم عليه، أي أنَّ الحامل لهُم على الأيمانِ اتقاؤهم بها عن أنفسهم٢٠.
والعامة : على فتح الهمزة، جمع يمين.
والحسن٢١ : بكسرها مصدراً.
وتقدم مثله في «المجادلة »، والجُنَّةُ : التُّرْس ونحوه، وكل ما يقيك سوءاً. ومن كلام الفصحاء :[ جُبَّةُ البرد ] جُنَّةُ البردِ.
قال أعشى همدان الشاعر :[ الطويل ]
٤٧٧٢ - إذَا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لعرضِكَ جُنَّةً***مِنَ المَالِ سَارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرِ٢٢

فصل


قال القرطبي٢٣ وغيره : اتَّخذُوا أيمانهُم جُنَّةً، أي : سُترةً، وليس يرجع إلى قوله : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وإنَّما يرجعُ إلى سبب الآيةِ التي نزلت عليه حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن أبيّ أنه حلف ما قال، وقد قال، وقال الضحاك : يعني : حلفهم بالله «إنهم لمنكم ».
وقيل : يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة «براءة » في قوله : يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ [ التوبة : ٧٤ ].

فصل في نص اليمين


قال القرطبي٢٤ :«من قال : أقسمُ باللَّهِ، وأشهد بالله، أو أعزم بالله، أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله، أو شهدت، أو عزمت، أو حلفت، وقال في ذلك كله :" بالله " فلا خلاف أنها يمينٌ، وكذلك عند مالكٍ وأصحابه أن من قال : أقسمُ، أو أشهد، أو أعزم، أو أحلف، ولم يقل " بالله " إذا أراد " بالله "، وإن لم يرد " بالله " فليس بيمين ».
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو قال : أشهد بالله لقد كان كذا كان يميناً، ولو قال : أشهد لقد كان كذا - دون النية - كان يميناً لهذه الآية ؛ لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال : اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً .
وعند الشافعي : لا يكون ذلك يميناً وإن نوى اليمينَ ؛ لأنَّ قوله تعالى : اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ليس يرجعُ إلى قوله :«قالوا : نَشهدُ »، وإنما يرجعُ إلى ما في براءة من قوله تعالى : يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ .
قوله : فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله .
أي : أعرضوا، وهو من الصُّدود، أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حدود الله عليهم من القَتْل، والسبي، وأخذ الأموال، فهو من الصَّدِّ، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا أو يقتدي بهم غيرهم.
وقيل : فصدوا اليهود والمشركين عن الدُّخول في الإسلام بأن يقولوا : ها نحن كافرون بهم، ولو كان ما جاء به محمد حقًّا لعرف هذا منا، ولجعلنا نكالاً، فبيَّن الله أنَّ حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن من أشهر [ الإيمان ]٢٥ أجري عليه في الظَّاهر حكم الإيمان.
قوله : إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .
أي : سيئت أعمالهم الخبيثةُ في نفاقهم، وأيمانهم الكاذبةِ، وصدِّهم عن سبيل الله٢٦. و«ساء » يجوز أن تكون الجارية مجرى «بِئْسَ »، وأن تكون على بابها، والأول أظهر وقد تقدم حكم كل منهما٢٧.
فإن قيل : إنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل، ولم يقل : إنَّهم ساء ما كانوا يعملون ؟.
قال ابن الخطيب٢٨ : والجواب أن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها جُنَّة أي : سُترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٩..
٢ ينظر: التفسير الكبير ٣٠/١٢..
٣ أخرجه البخاري (٨/٥١٢) كتاب التفسير سورة المنافقون، باب قوله: إذا جاءك المنافقون رقم (٤٩٠٠) من حديث زيد بن أرقم..
٤ أخرجه الترمذي (٥/٣٨٧-٣٨٨-٣٨٩) كتاب التفسير، باب: سورة المنافقون حديث (٣٣١٣) من حديث زيد بن أرقم أيضا وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٥ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٨٠)..
٦ تقدم..
٧ تقدم..
٨ ينظر القرطبي (١٨/٨٠)..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٩..
١٠ تقدم..
١١ في أ: الكلام..
١٢ آية رقم ١٠..
١٣ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٠..
١٤ ينظر مجنون ليلى ص ٣٠٠، والقرطبي ١٨/٨٠..
١٥ ينظر: الكشاف ٤/٥٣٨..
١٦ الكشاف ٤/٥٣٨..
١٧ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٠..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: التفسير الكبير ٣٠/١٣..
٢٠ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٩..
٢١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣١١، والبحر المحيط ٨/٢٦٧، والدر المصون ٦/٣١٩..
٢٢ تقدم..
٢٣ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٠..
٢٤ السابق ١٨/٨١..
٢٥ في أ: الإسلام..
٢٦ ينظر: القرطبي ١٨/٨١..
٢٧ ينظر: الدر المصون ٦/٣٢٠..
٢٨ التفسير الكبير٣٠/١٣..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية