الصفة الثالثة : قوله : وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ :«على خُلقٍ » على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه١.
وروى مسلم عن عائشة : أن خلقه كان القرآن٢.
وقال علي - رضي الله عنه - : هو أدب القرآن٣.
وقيل : رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه٤.
وقيل : إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي٥ : حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه، فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق : الطبع المتكلف، والخِيم : الطبع الغريزي.
قال القرطبي٦ :«ما ذكره مسلم٧ في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عليه الصلاة والسلام - فقرأت قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون [ المؤمنون : ١ ] إلى عشر آياتٍ »٨.
قال ابن الخطيب٩ : وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية، بالطبع ومقتضى الفطرة، وقالت : مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك، ولذلك قال الله تعالى وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد : سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - :«إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق »١٠.
فصل :
قال ابن الخطيب١١ : قوله : وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى : بِنِعْمَةِ رَبِّكَ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه ؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صلى الله عليه وسلم كاملة، لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال : مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ المتكلفين [ ص : ٨٦ ] أي : لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال : أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده [ الأنعام : ٩٠ ] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى ؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هو الشرائع ؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى » للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السيئ.
٢ تقدم..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٠) عن عطية العوفي وعزاه إلى ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "الدلائل".
وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٠)..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٤٨)..
٥ ينظر النكت والعيوب ٦/٦١..
٦ ينظر مسلم ٢/٥١٢-٥١٣ في صلاة المسافرين (١٣٩-٧٤٦)..
٧ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٤٩..
٨ أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦/٤١٢) والحاكم (٢/٣٩٢) عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرته.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
٩ ينظر الفخر الرازي ٣٠/٧٢..
١٠ أخرجه أحمد (٢/٣٩٨) والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٧٣) والحاكم (٢/٦١٣) والبيهقي(١٠/١٩١، ١٩٤) والقضاعي في "مسند الشهاب" (١١٦٥) من طريق القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا أن أحمد قال: "صالح الأخلاق".
ورواه مالك في "الموطأ" (٢/٢١١) بلاغا عن النبي صلى الله عليه وسلم..
١١ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/٧١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود