غبس كواسبُ ما يمنُّ طعامها
يصف كلابًا ضارية. وقال مجاهد: غير محسوب (١). وهو المن الذي يريد به الاعتداد. وهو معنى قول مقاتل: لا يمن به عليك (٢).
وقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة (٣). والقول هو الأول. والمعنى: إن لك لأجرًا يصبرك على بهتهم وافترآتهم عليك، وقولهم: إنك مجنون: غير ممنون.
٤ - ثم مدحه مع وعد الأجر بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال ابن عباس في رواية عطاء (٤): يريد دين عظيم، لم أخلق من الأديان أحب ولا أرضى عندي منهن اختصصتك به واصطفيته (٥) لك ولأمتك. ونحو هذا قال الكلبي: على دين عظيم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والسدي، وأبي
لمعفر فهد تنازع شلوه
والعفر: الإلقاء على العفر، وهو أديم الأرض، والفهد: الأبيض. والشلو: العضو.
والغبس: الذئاب أو الكلاب.
والمعنى: أن طعام الذئاب لا يفتر لكثرة الاصطياد أو طعام الذئاب لا يقطعه أصحابها.
(١) انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٢، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٠٨.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦٢ ب، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٨١، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٨٠.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ٦/ ١١٦، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٨٠، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٢٦.
(٤) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.
(٥) في (ك): (واصصفيتك).
مالك، وابن زيد بن أسلم (١) وجماعة (٢)؛ قالوا: يعني الإسلام والدين (٣).
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني القرآن؛ وهو قول الحسن والعوفي قالا (٤): يعني أدب القرآن (٥).
ويدل على هذا ما روي أن عائشة سئلت عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: كان خلقه القرآن (٦).
وفسره قتادة فقال: ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله (٧). واختاره الزجاج فقال: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك (٨) الله به في القرآن (٩). ومعنى الخلق في اللغة: العادة (١٠). ذكرنا (١١) ذلك في قوله:
(٢) (وجماعة) ساقطة من (س).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦٢ ب، و"جامع البيان" ٢٩/ ١٢، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٧٥، و"زاد المسير" ٨/ ٣٢٨.
(٤) في (ك): (قال).
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٢٧، ورجحه، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٠٢، و"الدر" ٦/ ٢٥١.
(٦) الحديث رواه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: جامع صلاة الليل ١/ ٥١٣، وأبو داود في كتاب: التطوع ٢/ ٩٩، والنسائي في كتاب: قيام الليل ٢/ ١٩٩.
(٧) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٦٣ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٧٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٢٧.
(٨) في (ك): (أمر).
(٩) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٢٠٤.
(١٠) انظر: "مفردات الراغب" ص ١٥٧ (خلق).
(١١) في (ك): (ذكر).
إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٣٧].
وقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى (١).
قوله (٢): فَسَتُبْصِرُ أي: فسترى يا محمد، وَيُبْصِرُون يعني المشركين، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ اختلفوا في الباء هاهنا، فأكثر المفسرين وأهل المعاني على أنها صلة زائدة (٣). والمعنى: أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. قال أبو عبيدة: مجازه أيكم، وأنشد:
يَضرِبُ بالسيفِ ويرجُو بالفَرَجْ (٤)
ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة (٥).
وقال مقاتل: هذا وعيد العذاب ببدر (٦). يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر أيكم المفتون. ونحو هذا قال قتادة (٧)، وابن عباس
(٢) في (س): (قوله) زيادة.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ٧١٢، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٨٢، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٠٩.
(٤) البيت للنابغة الجعدي، وصدره:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج
انظر: "ديوانه" ص ٢١٦، و"الخزانة" ٩/ ٥٢٠، و"مغني اللبيب" ص ١٠٨ و"مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٤، و"تفسير القرآن" ص ٤٧٨، و"الإنصاف" ص ٢٨٤.
(٥) (س): (ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة) زيادة. انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٧١٢، و"تفسير غريب القرآن" ٤٧٧ - ٤٧٨.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦٢ ب، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٨٢.
(٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٠٨، و"جامع البيان" ٢٩/ ١٤.
في رواية عطاء يقول: بأيكم المجنون (١). وهذا محمول على زيادة الباء.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يكون الباء هاهنا لغوًا في قول أحد من أهل العربية (٢)، وفيه قولان للنحويين:
أحدهما: قالوا: المفتون هاهنا بمعنى الفتون (٣). والمصادر تجيء على المفعول نحو المعقول والميسور. ويقال: ليس له معقود رأي. أي عقد رأي. والمفتون هاهنا بمعنى الفتون (٤)، أي: الجنون. وهذا قول الحسن والضحاك (٥) ورواية عطية عن ابن عباس. قالوا: بأيكم الجنون (٦).
والقول الثاني: أن الباء بمعنى في (٧). ومعنى الآية: ستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون. أي: فرقة الإسلام أم في (٨) فرقة الكفار (٩). والقولان للفراء (١٠) فشرحهما أبو إسحاق.
وقال في البيت الذي أنشده أبو عبيدة: معناه: نرجو كشف ما نحن
(٢) مراد الزجاج من قوله هذا: أن من قال بزيادتها لم يستند على نقل صحيح عن أهل اللغة، وإنما هو اجتهاد منه.
(٣) في (ك): (المفتون).
(٤) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٢٠٥.
(٥) في (س): (والضحاك) زيادة.
(٦) انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٣، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٨٢.
(٧) في (ك): (في معنى).
(٨) في (س): (في) زيادة.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٢٠٥.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" ٣/ ١٧٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي