ﮛﮜﮝﮞ

وإنك لعلى خُلُقِ عظيم لا يُدْرِك شأوَه أحدٌ مِن الخلق، ولذلك تَحْتَمِل من جهتهم ما لا يحتمله أحد من البشر. وسُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلقة صلى الله عليه وسلم، فقالت : كان خُلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. . . ١
[ المؤمنون : ١ ] الآية. وقيل : المراد : التأدُّب بآداب القرآن، بامتثال أمره واجتناب نهيه.
قال ابن جُزي : وتفصيل ذلك : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك : شرف النسب، ووفور العقل، وكثرة العلم والعبادة، وشدة الحياء، والسخاء، والصدْق، والشجاعة، والصبر، والشكر، والمروءة، والتوءدة، والاقتصاد، والزهد، والتواضع، والشفقة، والعدل، والعفو، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، وحُسن المعاشرة، وحسن التدبير، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس، وحسن الصورة، وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسِيرَه صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال :" بُعثت لأتمم مكارمَ الأخلاق " ٢، قال الجنيد : سُمي خُلقه عظيماً ؛ لأنه لم تكن له همة سوى الله عزّ وجل. ه. والخُلق : السجية والطبع. قال في القاموس : الخُلْق بالضم وبضمتين : السجية، والطبع، والمروءة والدين. ه.
وعرَّف بعضهم حقيقة الخُلق، فقال : مَلكة للنفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير فكر ولا رَوية، فخرج الصبر ؛ لأنه بصُعوبة، والفكرة ؛ لأنها تكون بروية، ثم ينظر في تلك الأفعال الصادرة عن تلك المَلكة ؛ فإن كانت سيئة، كالغضب، والعَجَلة، والكِبر، والفظاظة، والغلظة، والقسوة، والبُخل، والجُبن، وغير ذلك من القبائح، سُمي خُلقاً سيئاً، وإن كانت تلك الأفعال حسنة، كالعفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، ولين الجانب، وتحمل الأذى، سُمي خلقاً حسناً، الذي اتصف به صلى الله عليه وسلم على أكمل الوجوه، ومَدَحه بقوله :" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق يبلغ درجة الصائم القائم " ٣ وبقوله :" أفضل ما أُعطي المرء الخلق الحسن " ٤ في أحاديث كثيرة. وبالله التوفيق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد يُقال : أشار بقوله : ن إلى سرعة إنفاذ أمره بين الكاف والنون، ثم أقسم بالقلم على تنزيه نبيه من الجنون، ويُقال مثل ذلك لخلفائه، إذا رُمُوا بالجنون أو السحر أو سخافة العقل، ويُقال لهم في إرشاد الناس وتذكيرهم ما قيل لنبيّهم : وإِنَّ لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم ، فحُسن الخلق دليل على ثبوت الخصوصية، وعدمه دليل على عدم وجودها ؛ لأنّ الخمرة إذا دخلت القلب والروح هَذّبت أخلاقهما، وطهّرت أكدارهما، وما تُبقي إلاَّ الذهب الإبريز.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : كان صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ عظيم ؛ لشرح صدره بالنور، كما قال تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : ١ ]، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره، ونزع حظ الشيطان منه، ثم إفراغ الحكمة والنور فيه، حتى مُلئ بذلك، فكان شيئاً محضاً لله تعالى، لا تعلُّق له بغيره، فناسب القرآن، وصار خُلقاً له، منقوشاَ فيه، من غير روية، ولا تكسب في ذلك، بل طُبع على ذلك، وسرى فيه أمر الوحي، وجرى على مقتضاه في جميع أحواله، ولذلك تجد السُنة مشرعة من القرآن، وخارجة منه خروج اللبن من الضرع، والزبد من اللبن، فصار متخلّقاً بالقرآن، وفي الحقيقة متخلّقاً بخُلق الله، ومظهرَ أوصافه، ومجلاة سره وشأنه، إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ [ الفتح : ١٠ ] الآية، ومَن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. هـ. فعائشة رضي الله عنها احتشمت وسترت حيث عبّرت بالقرآن، ولم تقل كان خلقه خلق الرحمان.



١ أخرجه مسلم في المسافرين حديث ١٣٩..
٢ أخرجه أحمد في المسند ٢/٣٩٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/١٩٢..
٣ أخرجه الترمذي في البر حديث ٢٠٠٣، وأبو داود في الأدب حديث ٤٧٩٩..
٤ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه حديث ٢٠١٥١..

الإشارة : قد يُقال : أشار بقوله : ن إلى سرعة إنفاذ أمره بين الكاف والنون، ثم أقسم بالقلم على تنزيه نبيه من الجنون، ويُقال مثل ذلك لخلفائه، إذا رُمُوا بالجنون أو السحر أو سخافة العقل، ويُقال لهم في إرشاد الناس وتذكيرهم ما قيل لنبيّهم : وإِنَّ لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم ، فحُسن الخلق دليل على ثبوت الخصوصية، وعدمه دليل على عدم وجودها ؛ لأنّ الخمرة إذا دخلت القلب والروح هَذّبت أخلاقهما، وطهّرت أكدارهما، وما تُبقي إلاَّ الذهب الإبريز.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : كان صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ عظيم ؛ لشرح صدره بالنور، كما قال تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : ١ ]، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره، ونزع حظ الشيطان منه، ثم إفراغ الحكمة والنور فيه، حتى مُلئ بذلك، فكان شيئاً محضاً لله تعالى، لا تعلُّق له بغيره، فناسب القرآن، وصار خُلقاً له، منقوشاَ فيه، من غير روية، ولا تكسب في ذلك، بل طُبع على ذلك، وسرى فيه أمر الوحي، وجرى على مقتضاه في جميع أحواله، ولذلك تجد السُنة مشرعة من القرآن، وخارجة منه خروج اللبن من الضرع، والزبد من اللبن، فصار متخلّقاً بالقرآن، وفي الحقيقة متخلّقاً بخُلق الله، ومظهرَ أوصافه، ومجلاة سره وشأنه، إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ [ الفتح : ١٠ ] الآية، ومَن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. هـ. فعائشة رضي الله عنها احتشمت وسترت حيث عبّرت بالقرآن، ولم تقل كان خلقه خلق الرحمان.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير