قوله : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم :«فَيُدهِنُونَ » بثبوت نون الرفع وفيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على «تُدهِنُ » فيكون داخلاً في حيز «لَوْ ».
والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر، أي : فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ١ :«فإن قلت : لم رفع " فَيُدْهنُونَ " ولم ينصب بإضمار " أن " وهو جواب التمني ؟.
قلت : قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله : فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً [ الجن : ١٣ ] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك، قال سيبويه٢ : وزعم هارون أنها في بعض المصاحف : ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا » انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان :
أحدهما : أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ » فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ »، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة »٣.
والثاني : أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ ».
والظاهر أن «لَوْ » حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف، ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره : ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو » وما بعدها عليه، وتقدير الجواب : لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية :
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ : ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم٤، وعن ابن عباس أيضاً : ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك٥.
وقال الفراء والكلبي : لو تلين فيلينون لك. والإدهان : التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء٦ والليث.
وقال مجاهدٌ : ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك٧.
وقال الربيع بن أنس : ودوا لو تكذب، فيكذبون٨.
وقال قتادة : ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا٩.
وقال الحسنُ : ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً : ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم١٠.
وقال زيد بن أسلم : ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون١١.
وقيل : ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر١٢ ١٣.
وقال القتيبي : ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه : طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى لَوْ تَكْفُرُونَ [ النساء : ٨٩ ] ومعنى : لو تصانعهم وقال ابن العربي١٤ : ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون ».
وقال القرطبيُّ١٥ : كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل : مجاملة العدو وممايلته.
وقيل : المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل : النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة، وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ : أدهن في دينه، وداهن في أمره، أي : خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم : داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله «فيُدْهِنُونَ » ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال :«فيُدْهِنُوا »، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك، عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
٢ ينظر: الكتاب ١/٤٢٢..
٣ آية (٢٠)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٢) عن ابن عباس والضحاك..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩١) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم..
٦ ينظر: معاني القرآن للفراء ٣/١٧٣..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩١) عن مجاهد وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٥١)..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩١) وعزاه إلى عبد بن حميد..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٥١)..
١١ ينظر المصدر السابق..
١٢ ينظر الطبري ١٢/١٨٢..
١٣ ينظر القرطبي (١٨/١٥١)..
١٤ ينظر أحكام القرآن (٤/١٨٥٥)..
١٥ ينظر الجامع لأحكام القرآن (١٨/١٥١)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود