وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ فإن الإِدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة.
قال الفرّاء : المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي. وقال الضحاك والسديّ : ودّوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر. وقال الربيع بن أنس : ودّوا لو تكذب فيكذبون. وقال قتادة : ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر، فيذهبون معك. وقال الحسن : ودّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك. وقال مجاهد : ودّوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك. قال ابن قتيبة : كانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدّة، ويعبدوا الله مدّة، وقوله : فَيُدْهِنُونَ عطف على تدهن داخل في حيز لو، أو هو خبر مبتدأ محذوف : أي فهم يدهنون. قال سيبويه : وزعم قالون أنها في بعض المصاحف «ودّوا لو تدهن فيدهنوا » بدون نون، والنصب على جواب التمني المفهوم من ودّوا، والظاهر من اللغة في معنى الإدهان، هو ما ذكرناه أوّلاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ قال : تعلم ويعلمون يوم القيامة بِأَيّكُمُ المفتون قال : الشيطان، كانوا يقولون : إنه شيطان، وإنه مجنون. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : بأيكم المجنون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ يقول : لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ الآية قال : يعني : الأسود بن عبد يغوث. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال :«قال مروان لما بايع الناس ليزيد : سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر ولكنها سنة هرقل فقال مروان : هذا الذي أنزل فيه : والذي قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا [ الأحقاف : ١٧ ] الآية، قال : فسمعت ذلك عائشة فقالت : إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزل في أبيك : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ». وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال :«نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ فلم نعرف حتى نزل عليه بعد ذلك زنيم ، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : العتلّ هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشرّ. وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عنه قال : الزنيم : هو الدعيّ. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عنه أيضاً قال : الزنيم الذي يعرف بالشرّ كما تعرف الشاة بزنمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : هو الرجل يمرّ على القوم، فيقولون رجل سوء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : زَنِيمٍ قال : ظلوم. وقد قيل : إن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق، وقيل : في الوليد بن المغيرة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني