٢- تدهن : تلاين أو تصانع
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ( ٥ ) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ١ ( ٦ ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( ٧ ) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ( ٨ ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ ٢ فَيُدْهِنُونَ( ٩ ) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ( ١٠ ) هَمَّازٍ ٣ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ٤ ( ١١ ) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( ١٢ ) عُتُلٍّ ٥ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم ٦ ( ١٣ ) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ( ١٤ ) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ٧ ( ١٥ ) سَنَسِمُهُ ٨ عَلَى الْخُرْطُومِ ٩ ( ١٦ ) ( القلم٥-١٦ ).
شرح الآيات ( ٥-١٦ ) من سورة القلم
وما انطوى فيها من صور وتنبيهات
عبارة الآيات واضحة. وفيها حكاية لبعض ما وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار ورد عليهم وتنديد بهم وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم :
١- فقد أخذ بعضهم يعيره بأنه مفتون ضال خارج عن دين آبائه وتقاليدهم. فردت الآية الأولى عليهم بأن الحق لن يلبث أن يظهر ويُعرف من هو المفتون، ثم وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منطوياً على التثبيت بأن ربه هو الأعلم بمن هو ضالّ حقا ومهتد حقّاً.
٢- وقد أخذ بعضهم يقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يلاين فيلاينوا بالمقابلة. والملاينة التي طلبوها على ما ذكرته الروايات١عدم تسفيه أحلامهم وسبّ ألهتهم، ومشاركتهم في تقاليدهم وعباداتهم، والملاينة التي وعده بها هي تركه وشأنه أو مجاراته في بعض ما يدعو إليه. وكان بعضهم يحلف له الأيمان على ذلك، فأمرته الآيات بعدم تصديقهم وعدم إطاعتهم لأنهم كاذبون.
٣- وقد أخذ بعضهم إذا ما تلا النبي القرآن يقولون : إنه مقتبس من صحف الأول وقصصهم، منكرين أنه من وحي الله، معتزين بمالهم وأولادهم وقوتهم، وقد حملت الآيات حملة عنيفة على هؤلاء، فهم كاذبون مهينون، عيابون شتامون، مشاؤون بين الناس بالفساد والنميمة، مناعون للخير، غلاط القلوب لؤماء أو مدخولو الأنساب، وقد توعدتهم الآية الأخيرة بكيّ أفواههم بالنار، جزاء ما يصدر منها من الكذب والتكذيب والافتراء والأيمان الكاذبة الخداعة. وهو وعيد مستمد من عاداتهم ليكون تأثيره أشد في نفوسهم.
والضمير في الآيات ( ١٠-١٦ ) مفرد، وقد ذكر المفسرون٢ اسم الأخنس ابن شريق واسم الأسود بن عبد يغوث وقالوا إنها أحدهما. والآيات تبدأ بكلمة ( كل ). والآيات السابقة لها جاءت بصيغة الجمع ضمائر وأفعالاً ؛ حيث يسوغ ذلك القول أن أسلوبها أسلوب خطابي بسبيل التعبير عن طبقة وليس عن فرد، ولو صح ما ذكره المفسرون.
وفي الوقت نفسه انطوى فيها تنبيهات عامة للنبي صلى الله عليه وسلم، منها أن الذين هم على مثل تلك الأخلاق الذميمة لا يمكن أن يصدروا عن رغبة صادقة في الاهتداء، ومنها أن الملاينة في الحق والمبادئ والتساهل فيها لا يجوز أن يكون موضع بحث وجدل، وفي هذا ما فيه كذلك من التلقين القرآني الجليل المستمر المدى في كل زمن ومكان.
وعلى اعتبار أن هذه الآيات مما نزل مبكراً فإن فيها تأييداً لما استدللنا عليه من آيات سورة العلق من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سار في الدعوة علناً منذ بدئها كما هو المتبادر.
تعليق على مفاوضات وعروض
زعماء قريش على النبي صلى الله عليه وسلم.
وآية ودوا لو تدهن فيدهنون ( القلم : ٩ )١ صريحة بأنها تحكي رغبة بعض الزعماء في ملاينة النبي صلى الله عليه وسلم معهم ومجاراته لهم حتى يقابلوه بالمثل. وقد ذكر بعض المفسرين أنهم طلبوا منه ذكر آلهتهم بالخير أو السكوت عنها، حتى يستمعوا إليه ويجاروه في بعض ما يطلب. ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة أن هذا لم يبق وحيدا. بل تكرر في ظروف عديدة في العهد المكي، على ما أشارت إليه بعض الآيات وروته بعض الروايات، مما فيه صورة خطيرة من صور السيرة النبوية في هذا العهد.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم منذ البدء - وظل- شديد الحرص على هداية قومه شديد الحزن من انقباضهم عن دعوته وبخاصة الزعماء، لأنهم يسدون الطريق أمام السواد الأعظم من العرب على ما ذكرناه قبل قليل. فكان بعض الزعماء يستغلون هذه العاطفة، ويعرضون عليه مباشرة أو بواسطة عمه أبي طالب بعض العروض والاقتراحات، بسبيل تبادل الملاينة والمسايرة.
ومن ذلك ما تضمنت الإشارة إليه آيات سورة الإسراء هذه : وإن كَادُوا ليَفتنُونكَ عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا( ٧٣ ) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ( ٧٤ ) ، وقد روى المفسرون٢ في صددها روايات عديدة، منها أن فريقا من زعماء قريش اقترحوا عليه السكوت عن شتم آلهتهم وتسفيه أحلامهم ليحاسنوه ويسايروه. ومنها طلبوا منه الإبقاء على بعض تقاليدهم وطقوسهم مدة من الزمن، ومنها أنهم طلبوا منه الإلمام بأصنامهم كما يفعل بالحجر الأسود، ومنها السماح لهم بذلك. ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطر لباله أن يسايرهم بعض المسايرة، فثبته الله تثبيتا ينطوي فيه التنبيه المنطوي في آيات سورة القلم، والذي نوهنا به آنفا.
وفي سورة يونس هذه الآية : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( ١٥ ) ، وقد روى المفسرون٣ أنهم طلبوا منه قرآنا خاليا من الحملة عليهم وعلى شركائهم.
ولقد روى ابن هشام٤ أن زعماء قريش جاءوا إلى أبي طالب متذمرين أكثر من مرة، طالبين منه ردع ابن أخيه عن شتم آلهتهم وتسفيه عقولهم. ومما قالوه له في إحدى المرات وكان حاضراً في مجلسهم : إننا نحب أن يسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا. وفي إحدى المرات قال لعمه : أريد منهم أن يعطوني كلمة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم، فقالوا له : نعم وأبيك وعشر كلمات، قال : تقولون : لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه. فصفقوا وقال بعضهم لبعض : ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا.
وفي سورتي الأنعام والكهف آيات تلهم نصوصها وما رواه المفسرون في صددها٥ أن الزعماء كانوا يقترحون عليه طرد الفقراء والمساكين من حوله، إذا كان يريد منهم أن يجلسوا إليه ويستمعوا منه ويستجيبوا له، ويتمجحون بهم لعدم استجابتهم لدعوته وهي هذه :
١- وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ( ٥٢ ) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ( ٥٣ ) ( الأنعام : ٥٢-٥٣ ).
٢- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا( ٢٨ ) } ( الكهف : ٢٨ ).
وقد تضمنت الآيات تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الاستجابة لاقتراحات زعماء الكفار، بإغداق عطفه واهتمامه على أصحابه الذين آمنوا به والتفوا حوله، مهما كانت طبقتهم الاجتماعية، لأنهم أظهروا من صدق الرغبة في الإيمان والاتجاه إلى الله وحده ما رفع شأنهم وقدرهم عند الله. وفي الآيات من التلقين الجليل ما هو ظاهر.
هذا، وجنوح الزعماء إلى طلب المداهنة والملاينة من النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدهم بالمقابلة بالمثل منذ عهد مبكر، واستمرارهم على ذلك يدل على أنهم لم يكونوا يجدون في أنفسهم من القوة ما يستطيعون به إرغامه على الكف عن دعوته، والاعتدال في تنديداته وحملاته، كما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لديه من الجرأة والقوة الروحية والاستغراق في الله ما يجعله غير مبال بما كان عليه الزعماء من قوة ومال وكثرة، وما يجعله يظل يقذف بنذُر القرآن وحملاته في وجوههم ويقرع بها آذانهم منذ بدء الدعوة، ويدل في الوقت نفسه على أن الزعماء يعرفون ذلك، وفي هذا ما فيه من العظمة وبليغ الأسوة.
ولقد قلنا قبل : إن هذه الآيات لا بد أن تكون نزلت بعد طائفة من السور التي فيها مبادئ الدعوة من وحدانية الله تعالى، وإيجاب اختصاصه وحده بالعبادة والدعاء، وترك كل ما عداه، والإيمان باليوم الآخر، وإيجاب الأعمال والأخلاق الحسنة، وتجنب الأعمال والأخلاق السيئة، وعدم الاستغراق في حب المال واكتنازه، وإيجاب البر بالمساكين والفقراء، والإنفاق على سبل الخير المختلفة إلخ.. ومعنى أمر الله تعالى لرسوله بعدم إطاعتهم في ما يطلبونه من مسايرة مقابل وعدهم له بالمسايرة في بعض ما يدعو إليه، أن المبادئ الأساسية للدعوة لا يصح في أي حال وظرف أن تكون محل مساومة وتمييع. وهذا الأمر قد تكرر على ما تفيده آيات سورة الإسراء ( ٧٣- ٧٤ ) التي أوردناها آنفا.
وفي هذا ما فيه روعة وتلقين جليل مستمر المدى.
٢ المصدر نفسه..
٣ انظر تفسيرها في كتب تفسير البغوي وابن كثير والطبري والخازن والطبرسي....
٤ ابن هشام ج ١ ص ٢٨٢-٢٨٥ وج ٢ ص ٢٦- ٢٨..
٥ - المصدر السابق نفسه..
التفسير الحديث
دروزة