ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

[سُورَة الْإِنْسَان (٧٦) : آيَة ٣١]

يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ جملَة وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الْإِنْسَان: ٣٠] إِذْ يَتَسَاءَلُ السَّامِعُ عَلَى أَثَرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فِي حَالِ مَنِ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُدْخِلُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَأَنَّهُ أَعَدَّ لِمَنْ لَمْ يَتَخِذْ إِلَيْهِ سَبِيلًا عَذَابًا أَلِيمًا وَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ خَبَرَ أَنْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ [الْإِنْسَان: ٣٠] وَتَكُونُ جُمْلَةُ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [الْإِنْسَان: ٣٠] مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمِ أَنْ وَخَبَرِهَا أَوْ حَالًا، وَهِيَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مُنْبِئَةٌ بِأَنَّ إِجْرَاءَ وَصْفَيِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مُرَادٌ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ كُلَّهُ مِنْ جَزَاءٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ بِعَذَابٍ جَارٍ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَانْتَصَبَ الظَّالِمِينَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ وَالتَّقْدِيرِ: أَوْعَدَ الظَّالِمِينَ، أَوْ كَافَأَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقَدِّرُهُ السَّامِعُ مُنَاسِبًا لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ.

صفحة رقم 416

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

٧٧- سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ
لَمْ تَرِدْ لَهَا تَسْمِيَةٌ صَرِيحَةٌ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُضَافَ لَفْظُ سُورَةٍ إِلَى جُمْلَتِهَا الْأُولَى.
وَسُمِّيَتْ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ «سُورَةُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا»
فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ بِمِنًى إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لَأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ» الْحَدِيثَ.
وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَرَأْتُ سُورَةَ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا» فَسَمِعَتْنِي أُمُّ الْفَضْلِ (امْرَأَةُ الْعَبَّاسِ) فَبَكَتْ وَقَالَتْ: بُنَيَّ أَذْكَرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ».
وَسُمِّيَتْ «سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ»،
رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

صفحة رقم 417

يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ الرَّحْمَانَ وَالنَّجْمَ فِي رَكْعَةٍ، وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةَ فِي رَكْعَةٍ» ثُمَّ قَالَ:
«وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلَاتِ فِي رَكْعَةٍ»
فَجَعَلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ السُّورَتَيْنِ وَسَمَّاهَا الْمُرْسَلَاتِ بِدُونِ وَاوِ الْقَسَمِ لِأَنَّ الْوَاوَ الَّتِي فِي كَلَامِهِ وَاوُ الْعَطْفِ مِثْلَ أَخَوَاتِهَا فِي كَلَامِهِ.
وَاشْتُهِرَتْ فِي الْمَصَاحِفِ بِاسْمِ «الْمُرْسَلَاتِ» وَكَذَلِكَ فِي التَّفَاسِيرِ وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ».
وَذَكَرَ الْخَفَاجِيُّ وَسَعْدُ اللَّهِ الشَّهِيرُ بِسَعْدِي فِي «حَاشِيَتَيْهِمَا» عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهَا تُسَمَّى «سُورَةَ الْعُرْفِ» وَلَمْ يُسْنِدَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّورِ ذَاتِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمٍ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» عَنْ «كِتَابِ ابْنِ الضَّرِيسِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَدِّ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَذَكَرَهَا بِاسْمِ الْمُرْسَلَاتِ. وَفِيهِ عَنْ «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ فِي عَدِّ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَذَكَرَهَا بَاسِمِ الْمُرْسَلَاتِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ، وَذَلِكَ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَنْ أَوَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا لِأَنَّهَا نَزَلَتْ وَالنَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَفٍ فِي غَارٍ بِمِنًى مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّ آيَةَ وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ [المرسلات: ٤٨] مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمَحْمَلُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ نَظَرًا إِلَى أَنْ الْكُفَّارَ الصُّرَحَاءَ لَا يُؤْمَرُونَ بِالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِكَوْنِ الْآيَةِ مَدَنِيَّةً فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ:
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ [المرسلات: ٤٨] وَارِدٌ عَلَى طَرِيقَةِ الضَّمَائِرِ قَبْلَهُ وَكُلُّهَا عَائِدَةٌ إِلَى الْكُفَّارِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَمَعْنَى قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا: كِنَايَةٌ عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَسْلِمُوا. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ [الْقَلَم: ٤٣] فَهِيَ فِي الْمُشْرِكِينَ وَقَوْلُهُ: قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إِلَى قَوْلِهِ: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر: ٤٣- ٤٦].
وَعَنْ مُقَاتِلٍ نَزَلَتْ وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ فِي شَأْنِ وَفْدِ ثَقِيفٍ حِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ غَزْوَةِ هَوَازِنَ وَأَتَوُا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ فَقَالُوا: لَا نُجَبِّي فَإِنَّهَا مِسَبَّةٌ عَلَيْنَا. فَقَالَ لَهُمْ: لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ.

صفحة رقم 418

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية