تمهيد :
هذه هي الآيات الأخيرة في سورة الإنسان، نزلت ومكة تعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم المال والثروة، وعتبة ابن ربيعة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع عن هذا الأمر حتى أزوّجك ابنتي، فإني من أجمل قريش بنات.
والقرآن ينزل يثبّت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويوضّح أن القرآن الكريم قد أنزله الله منجما لحكمة إلهية عليا، فعليك أيها الرسول بالصبر وذكر الله والتهجد بالليل، وهذه كلها زاد للدعاة، حيث يصلون أنفسهم بالخالق عابدين متبتلين، ثم تتحدث الآيات عن كفار مكة الذين يحبون العاجلة، أي المال والنساء والخمر والملذات، وينسون الآخرة، والله وحده هو الذي خلقهم، وإذا شاء أتى بخلق جديد أطوع لله منهم، ثم تسند المشيئة إليه سبحانه، فهو سبحانه فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير.
١٣- يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذابا أليما.
فهو سبحانه حكيم منزه عن الظلم، فمن رأى في قلبه الرغبة في الهدى والإيمان، والطمع في المغفرة، والرجاء في الرحمة، يسّر له ذلك وأعانه عليه، ومن ظلم نفسه بالمعاصي، وأعرض عن طاعة الله سلب عنه الهدى، وأعدّ له عذابا أليما في الآخرة.
وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم :( هؤلاء أسماء أصحاب الجنة، بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم، لا يزيدون ولا ينقصون، وهؤلاء أسماء أصحاب النار، بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم، لا يزيدون ولا ينقصون ). قال الصحابة : أفلا نتكل على ذلك يا رسول الله ؟ قال :( لا، اعلموا فكل ميسر لما خلق له. إن الله عز وجل يقول : فأما من أعطى واتقى* وصدّق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذّب بالحسنى* فسنيسره للعسرىviii. ( الليل : ٥-١٠ ).
قال ابن كثير :
إن الله كان عليما حكيما.
أي : عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له، ويقيّض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال : إن الله كان عليما حكيما.
ثم قال : يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما.
أي : يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، فمن يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي لهix.
i تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري ٢٩/١٠٩.
ii تفسير المراغي، للأستاذ أحمد مصطفى المراغي ٢٩/١٦٤، وانظر تفسير النسفي ٤/٢٣٨.
iii تفسير المراغي ٢٩/١٦٦
iv تفسير النسفي ٤/٢٣٨.
v تفسير الطبري ٢٩/١٣٧.
vi مختصر تفسير ابن كثير، تحقيق محمد علي الصابوني، المجلد الثالث ص٥٨٤.
vii إنما الأعمال بالنيات :
رواه البخاري ( ١، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣ ) ومسلم في كتاب الإمارة ( ٣٥٣٠ )، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد ( ١٥٧١ ) والنسائي في كتاب الطهارة ( ٧٤ ) وفي الطلاق ( ٣٣٨٣ ) وفي الأيمان والنذور ( ٣٧٣٤ )، وأبو داود في كتاب الطلاق ( ١٨٨٢ )، وابن ماجة في كتاب الزهد ( ٤٢١٧ ) وأحمد في مسنده ( ١٦٣، ٢٨٣ ) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ).
viii اعملوا فكل ميسر لما خلق له :
تقدم تخريجه، انظر هامش ( ٦٤ ).
ix مختصر تفسير ابن كثير، تحقيق محمد علي الصابوني، المجلد الثالث ص٥٨٥.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة