ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

يوفون بالنذر جملة مستأنفة في جواب ما بالهم يثابون كذلك أو في جواب الأبرار ما هم فهو تعريف للأبرار بأنهم يؤدون الواجبات ويخافون الله فيجتنبون المكروهات ويرحمون العباد ويفعلون الحسنات خالصا لله تعالى ابتغاء مرضاته هذا شأن الأبرار ويحصل ذلك المراتب بعد فناء النفس وزوال رذائله وأما المقربون فشأنهم أرفع من ذلك أو تعليل لما سبق يعني أن الأبرار يشربون الخ لأنهم يوفون النذر في الدنيا والنذر في اللغة أن توجب على نفسك ما ليس بواجب كذا في الصحاح وإيفائهم ما يوجبوا على أنفسهم ما ليس بواجب عليه يدل بالطريق الأولى على إيفائهم ما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والجهاد وغيرها، فلعله هو المراد بما قال قتادة يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وغيرها من الواجبات للإيجاب.
فصل : ولما كان النذر عبارة عن إيجابه على نفس ما ليس بواجب ظهر أنه لا بد لانعقاده من شرطين أحدهما أن يكون طاعة فإن ما ليس بطاعة لا يصلح للإيجاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما النذر ما ابتغي به وجه الله )(١) رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص والثاني أن لا يكون واجبا بإيجاب الله تعالى وقال أبو حنيفة ولا بد أيضا أن يكون العبادة مقصودة بنفسها وأن يكون من جنسها واجب بإيجاب الله وعند الجمهور لا يشترط ذينك الشرطين والإجماع على وجوب الاعتكاف بالنذر يقتضي انتفاء هذين الشرطين فإنه عبادة لأجل انتظار الصلاة لا بنفسه وليس منه عينه واجب ومن ثم قال الشافعي يجب بالنذر كل قربة لا تجب ابتداء كعيادة المريض وتشييع الجنازة والسلام ويدل على التعميم حديث عائشة ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه )(٢) رواه البخاري، وزاد الطحاوي وفي هذه الوجه وليكفر عنه عن يمينه قال ابن العطاء عند الشك في رفع هذه الزيادة.
مسألة :
من نذر بطاعة وقيده بقيود للطاعة فيها يغلو تلك القيود وينعقد النذر بالطاعة كمن نذر بالصلاة في مكان معين وبالصوم قائما ونحو ذلك فيجب الصلاة والصوم ويتأدى بكل مكان وعلى كل حال إجماعا، إلا أن أبا يوسف والشافعي وغيرهما قالوا لو نذر أن يصلي في المسجد الحرام لم يجزه في غيره ولو نذر في المسجد الأقصى أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يجوز له الأداء في المسجد الحرام ولم يجزه فيما هو أقل منه فضلا وقال أبو حنيفة في جميع الصور يجوز الأداء في كل مكان، وفي حديث جابر أن رجلا قال يوم الفتح يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في البيت المقدس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صل ههنا ) فأعادها على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( شأنك إذا )(٣) رواه أبو داود والدارمي فبهذا الحديث ألغى أبو حنيفة تقييده بالمسجد الأقصى، قال أبو يوسف والشافعي تقييده الصلاة بمسجد من هذا المساجد الثلاثة كثرة الثواب والمعنى الطاعة فلا يلغى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )(٤) متفق عليه، وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بألف صلاة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام مائة ألف صلاة )(٥) رواه ابن ماجه، وقال : إنما ذلك على الصلاة المكتوبات لا على النوافل عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة )(٦) رواه أبو داود والترمذي، وما يدل على إلغاء قيود لا طاعة وفيها حديث ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقال : أبو إسرائيل نذر أن يكون ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ولا يصوم فقال : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه )(٧) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان ورواه البخاري وليس فيه في الشمس ورواه مالك في الموطأ مرسلا وفيه فأمره بإتمام ما كان لله طاعة وتترك ما كان معصية قال مالك ولم يبلغني أنه أمر بكفارة وأخرجه الشافعي وفي آخره ولم يأمره بكفارة ورواه البيهقي من حديث محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس وفيه الأمر بالكفارة، ومحمد بن كرب ضعيف.
مسألة : من فاته ما وجب عليه بالنذر يجب قضاءه بمثله حقيقة أو حكما فيقتضي الصلاة بالصلاة والصوم بالصوم والشيخ الفاني يطعم بكل صوم مسكينا ومن نذر الحج ماشيا فركب بعذر يهدي هديا وبه، قال الجمهور وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وفي رواية الأصل عن أبي حنيفة لا يجب عليه المشي في الحج بالنذر فلا يجب عليه الهدي لحديث عقبة بن عامر الجهني قال : نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة فأتى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال هذه ؟ قالوا : نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة قال ( مروها فلتركب ولتخمر ) متفق عليه، وحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى بين ابنين له فسأل عنه فقال : نذر أن يمشي فقال إن الله لغني عن تعذيب هذا وأمره بأن يركب )(٨) متفق عليه، قلنا : أما حديث عقبة بن عامر فقد رواه أبو داود بسند جيد نذرت أختي أن تمش إلى البيت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هديا وروى داود من حديث زيد بن عباس بلفظ أن أخت عقبة بن عامر نذرت إن تحج ماشية وأن لا تطيق ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله غني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة )، وروى الطحاوي من حديث عقبة بن عامر نحوه بسند حسن فظهر أن ما في الصحيحين فيه اختصار على ذكر بعض المروي وما ذكرنا من الروايات يقتضي تخصيص البدنة بالهدي وروى عبد الرزاق عن علي بسند صحيح فيمن نذر أن يمشي إلى البيت قال : يمشي فإن عيي ركب وأهدى جزورا وأخرج نحوه عن ابن عمر وابن عباس وقتادة والحسن.
مسألة : ومن نذر بمعصية أو بأمر مباح لا يصلح للطاعة لا يجب ولا ينعقد النذر إجماعا فيلغو عند أبي حنيفة وعند الجمهور يتعقد يمينا للتحرز عن إلغاء كلام العاقل وصيغته أكيد يصلح لكونه يمينا لفظا لاشتماله على ذكر اسم الله تعالى ومعنى لأن فيه تحريم ضد المنذور فعندهم يجب أن يحنث ويكفر في المعصية وفي المباح يخير بين أن يفعل أو يكفر والحجة لهم أحاديث، حديث عقبة بن عامر ( كفارة النذر كفارة اليمين )(٩) رواه مسلم وحديث عمران بن حصين مرفوعا ( لا نذر في معصية الله وكفرة اليمين )(١٠) رواه النسائي والحاكم والبيهقي ومداره على محمد بن زبير الحنظلي، وهو ليس بالقوي وقال الحافظ ابن حجر له طريق أخر إسنادها صحيح إلا أنه معلول ورواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو منقطع لم يسمع أبو سلمة عن أبي هريرة ورواه أصحاب السنن عن عائشة وفيه سليمان بن أرقم متروك، ورواه الدارقطني عن عائشة مرفوعا :( من جعل عليه نذرا في معصية الله فكفارته كفارة اليمين ) وفيه غالب بن عبد الله متروك وروى أبو داود من حديث كريب عن ابن عباس وإسناده حسن قال النووي حديث لا نذر في معصية الله فكفارته كفارة يمين ضعيف باتفاق المحدثين، وقال الحافظ قد صححه الطحاوث وأبو علي بن السكن وحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا أطاقه فليف به )(١١) رواه أبو داود وابن ماجه، وحديث ثابت بن الضحاك أن رجلا نذر أن ينحر إبلا في موضع وفي رواية ببوانة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان فيه وثن من الأوثان الجاهلية تعبد ؟ قالوا : لا، قال : هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أوف بنذرك )(١٢) رواه أبو داود وسنده صحيح وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ونحوه روى ابن ماجه عن ابن عباس، وهذا الحديث يدل على جواز وفاء النذر بما ليس بطاعة ولا معصية وكذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف تعني عند قدومك قال : أوفي بنذرك رواه أبو داود، ولعل ذلك قبل تحريم الضرب بالدف والنذر المعلق عند وجود الشرط حكمه حكم المنجز مطلقا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية وعند أبي يوسف وهي رواية عن الشافعي، وبه قال مالك غير أنه قال في صدقة جميع المال يلزمه التصدق بالثلث وفيما سوى ذلك فعنده يجب عليه الوفاء بما أوجب لا غير وروي عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا القول وقال : أجزأه عن المعلق كفارة يمين ويخرج عن العهدة بفعله وبه قال محمد واختار صاحب الهداية والمحققون عن علماء الحنفية أن المراد بالشرط الذي يجزء عنه الكفارة عند أبي حنيفة الشرط الذي لا يريد وجوده نحو إن دخلت الدار وكلمت فلانا أو فعلت كذا فعلي حج أو صوم سنة ويسمى هذا النذر الحاج وأما الشرط الذي يريد وجوده نحو إن شعبت أو قدم غائبي أو مات عدوي أو ولدت امرأتي ابنا فعلي كذا، قالوا وجب عليه الوفاء لا غير ويسمى هذا النذر نذر تبرر ولهذا التفصيل قال أحمد وهي الأظهر من الروايات عن الشافعي والرواية الثالث عن الشافعي أن الواجب في النذر الحاج الكفارة لا غير وهي رواية عن أحمد عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحب القسمة، فقال : إن عدت بشأنهما القسمة فكل ما لي في رباح الكعبة فقال له عمر إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطعة الرحم ولا فيما لا يملك ) رواه أبو داود.
مسألة : ومن نذر بعبادة لا يطيقها جاز له أن يكفر عنه وقال أبو حنيفة يستغفر الله ولا كفارة عليه لنا ما مر من حديث ابن عباس ( من نذر نذر لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ) وحديث في قصة أخت عقبة قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله لا يصنع بشقاء أختك مشيا فلتركب ولتحج راكبة وتكفر يمينها ) رواه أبو داود، وعن عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر قال : نذرت أختي أن أحج لله ماشية غير مختمرة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قل لأختك فلتخمر ولتركب ولتصم ثلاثة )(١٣) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وروى الطحاوي نحوه، ووجه الجمع أن النبي صلى الله عليه وسلم لعله أمره الكفارة بعد ما علم عجزها عن هذا والله تعالى أعلم ويخافون يوما كان شره أي مكروه في الصحاح الشر الذي يرغب عنه مستطيرا تنتشر غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر، قال مقاتل كان شره فاشيا في السماوات فانشقت وتناثر كواكبها وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة وفي الأرض فنسفت الجبال وغار المياه فكسر كل شيء على الأرض من جبال وبناء فيه إشعار إلى حسن عقيدتهم واجتابهم بهم عن المعاصي كما أن في يوفون بالنذر دلالة على إتيانهم الواجبات.

١ رواه احمد وفيه عبد الرحمان بن أبي الزناد ضعفه بعضهم ووثقه آخرون. انظر مجمع الزوائد في كتاب: الأيمان والنذور، باب: لا نذر في معصية الله إنما النذر ما ابتغي به وجه الله (٦٩٥٣)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: النذر في الطاعة (٦٦٩٦)..
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر أن يصلي في بيت المقدس (٣٢٩٥)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٠)، وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة، بمسجدي مكة والمدينة (١٣٩٤)..
٥ أخرجه ابن ماجه في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الصلاة في المسجد الجامع (٤١٣)..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت (٤٤٧}، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: صلاة الرجل المتطوع في بيته (١٠٤٢)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: النذر في المعصية (٣٢٨٠)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الكفارات، باب: من خلط في نذره طاعة بمعصية (٢١٣٦)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: جزاء الصيد، باب: من نذر المشي إلى الكعبة (١٨٦٥)، وأخرجه مسلم في كتاب: النذر، باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة (١٦٤٢)..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: النذر، باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة (١٦٤٥)..
١٠ أخرجه النسائي في كتاب: الأيمان والنذور، باب: كفارة النذر (٣٨٤٧)..
١١ أخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر نذرا لا يطيقه (٣٣٢٣)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الكفارات، باب: من نذر نذرا ولم يسمه (٢١٢٨)..
١٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما يؤمر من وفاء النذر (٣٣٠٣)..
١٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام (١٥٤٧)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية (٣٢٨٤)، وأخرجه النسائي في كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا حلفت المرأة لتمشي حافرة غير مختمرة (٣٨١٤)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الكفارات، باب: من نذر أن يحج ماشيا (٢١٣٤)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير