قوله : وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ وهذا الجار والمجرور حال إما من «الطعام » أي : كائنين على حبهم الطعام كقوله تعالى : وَآتَى المال على حُبِّهِ [ البقرة : ١٧٧ ].
قال ابن عباس ومجاهد : على قلة حبهم إياه وشهوتهم له١، وإما من الفاعل.
والضمير في «حبه » لله تعالى، أي : على حب الله، وعلى التقدير : فهو مصدر مضاف للمفعول.
قال الفضيل بن عياض : على حب إطعام الطَّعام.
قوله «مسكيناً ». أي : ذا مسكنة، «ويَتيماً » أي : من يتامى المسلمين «وأسِيراً » أي : الذي يؤسر فيحبس، وذلك أن المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه، واليتيم : هو الذي مات من يكتسب له، وبقي عاجزاً عن الكسبِ لصغره، والأسير : هو المأخوذ من قومه المملوك رقبة، الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلةً.
قال ابن عباس والحسن وقتادة : الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم٢.
فإن قيل : لمَّا وجب قتله، فكيف يجب إطعامه ؟.
فالجواب : أن القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجهٍ أن يعاقب بوجه آخر، وكذلك لا يحسن فيمن عليه قصاص أن يفعل به ما هو دون القتل، ويجب على الإمام أن يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الأسير : المحبوس٣.
وقال السديُّ : الأسير : المملوك٤، وقيل : الأسير : الغريم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أسِيرُكَ غَريمُكَ »٥ وقال عطاء : الأسير من أهل القبلةِ وغيرهم٦.
قال القرطبي٧ :«هذا يعم جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا ».
وقيل : الأسير : الزوجة، قال صلى الله عليه وسلم :«اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عوانٍ عِنْدكُمْ »٨.
قال القفال٩ : واللفظ يحتمل كل ذلك ؛ لأن أصل الأسر هو الشك بالقدر، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له.
فصل في الكلام على الآية
قال القرطبي١٠ : قيل نسخ آية المسكين آية الصدقات، وإطعام الأسير بالسيف قاله سعيد بن جبير.
وقال غيره : بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام.
وقال الماورديُّ : ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل ؛ لأنه في أسر خبله وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا برٌّ وإحسان.
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٦٠) عن الحسن وقتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨٤) عن الحسن وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه وذكره أيضا عن قتادة وعزاه إلى عبد بن حميد..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٦٠) عن مجاهد وسعيد بن جبير..
٤ ورد مثله مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨٥) وعزاه إلى ابن مردويه وابن نعيم..
٥ ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/٦٦٨)..
٦ ذكره السيوطي في الدر المنثور" (٦/٤٨٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وعطاء..
٧ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٨٤..
٨ تقدم..
٩ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/٢١٧..
١٠ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٨٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود