[ ٢ ] على حبّه : على شدة الحاجة إليه والرغبة فيه.
[ ٣ ] أسيرا : هي في أصلها الذي يؤسر في الحرب من الأعداء، وقد تكون هنا بمعنى المملوك ؛ لأن غالبية المملوكين هم من أسرى الحرب حيث جرت العادة على استرقاق الغالب الأسرى.
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [ ١ ] ٧ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ [ ٢ ] مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [ ٣ ] ٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً ٩ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً [ ٤ ] قَمْطَرِيراً [ ٥ ] ١٠
والآيات متصلة بالسياق. وفيها وصف للأبرار الذين ذكرت الآية السابقة ما أعدّه الله لهم من نعيم وشراب لذيذ في الآخرة، وحكاية لأقوالهم بسبيل التنويه، فهم يوفون بما ينذرونه على أنفسهم من أعمال بارة، ويخشون عذاب يوم الآخرة وشرّه العظيمين، ويطعمون الطعام على شدّة حاجتهم إليه المساكين والأيتام والأرقاء ولسان حالهم يهتف بأنهم يطعمونهم دون انتظار شكر وجزاء منهم، وإنما ابتغاء وجه الله وتقرّبا إليه ومخافة اليوم العبوس المخيف الذي يقفون فيه أمامه.
وقد روى بعض المفسرين ١ أن هذه الآيات وما بعدها نزلت في علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة ( رضي الله عنهما ) في قصة طويلة حيث جاءهم في ثلاثة أيام متوالية مسكين ويتيم وأسير فكانا يحرمان أنفسهما مما أعداه لغذائهما من طعام الشعير الذي اقترضا ثمنه وكانا في أشد الحاجة إليه، فيعطيانه لهم ويبيتان على الطوى. وهناك من روى أنها نزلت في رجل من الأنصار اسمه أبو الدحداح لأنه فعل ما روته الرواية السابقة ٢ وهناك من روى أنها نزلت في ابن عمر حيث كان مريضا واشتهى العنب فاشتروه له فجاء سائل فأمر بإعطائه له أول مرة وثاني مرة ٣.
والروايات تقتضي أن تكون الآيات مدنية مع أن الطابع المكي قوي البروز عليها كما قلنا قبل.
والروايات الأولى مما نالت حفاوة المفسرين الشيعيين كثيرا ٤ الذين ولعوا في صرف كثير من الآيات إلى علي ( رضي الله عنه ) وذريته بقطع النظر عن المناسبة والسياق. حتى لقد يخطر بالبال أن تكون رواية مدنية السورة أو الآيات من ذلك الباب. وقد نبهنا على أمثلة عديدة منه أيضا في مناسبات سابقة.
ومع احترامنا لعلي وزوجته ثم لسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السابقين ( رضوان الله عليهم ) جميعا وما كانوا عليه من ورع وزهد وتقوى ورأفة بالمحتاجين، واعتقادنا بأن حبّ الخير والبرّ فيهم قد يحملهم على التصدّق بطعامهم للمساكين والأيتام والأسرى والأرقاء على شدة حاجتهم إليه فإن أسلوب الآيات ومضمونها وروحها وطابعها المكي القوي كل ذلك يلهم أنها بسبيل وصف الأبرار الذين ذكروا في الآية السابقة مباشرة بصورة عامة. وفيها مع ذلك صورة رائعة واقعية لما كان يصدر من المؤمنين الأولين رضوان الله عليهم من إيثار للمساكين والمعوزين على أنفسهم ومن برّهم بهم على شدة حاجتهم تقربا إلى الله تعالى. وقد احتوت آيات عديدة في سورة مكية مثل هذه الصورة الرائعة مما نبهنا عليه في مناسباته مثل سور الواقعة والذاريات والمؤمنون والليل وغيرها وغيرها.
ومن تحصيل الحاصل أن يقال : إن فيما حكي عن الأبرار بهذا الأسلوب المحبب تلقينا مستمرا قويا بما يجب أن يتصف به المسلم من الرفق بالبؤساء والمحتاجين والأرقاء ومساعدتهم في كل ظرف ومن مراقبة الله وابتغاء مرضاته وعدم انتظار الشكر والجزاء من أحد على ما يفعله من خير وبرّ ومعروف، ثم بتحميل نفسه أقصى ما يمكن من الجهد في سبيل ذلك.
وبمناسبة التنويه بالذين يطعمون الطعام على حبّه المساكين واليتامى والأسرى نقول : إن هذا الأمر قد تكرر في القرآن والحديث بحيث يقال إنه من المكارم الأخلاقية التي تبنتها الرسالة الإسلامية ودعت إليها في كل ظرف وموقف. ولقد علقنا على ما أولاه القرآن والحديث من عناية باليتيم والمسكين والأسير أي المملوك في مناسبات سابقة فنكتفي بهذا التنبيه.
التفسير الحديث
دروزة