قال الكلبي: قد علن شره، وفشا، وعم (١).
وقال عطاء: استطار خوفه في أهل السموات وأهل الأرض في أولياء الله، وفي أعدائه (٢).
وقال مقاتل: يعني كان شره فاشيًا في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس، والقمر في الأرض، فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شىء على (وجه) (٣) الأرض من جبل، وبناء، ففشا شر يوم القيامة فيهما (٤).
قال ابن عباس في هذه الآية: نزلت في علي بن أبي طالب، وفاطمة رضي الله عنهما كانا نذرا نذرًا في مرض الحسين، فوفوا لله عَزَّ وَجَلَّ بما نذروا له (٥).
٨ - قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
قال الكلبي: على شهوته. وقال مقاتل: على حب الطعام (٦).
قال الزجاج: هذه (الهاء) تعود على الطعام، المعنى: يطعمون الطعام أشد ما يكون حاجتهم إليه، وصفهم الله بالأثرة على أنفسهم (٧).
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) ساقط من (ع).
(٤) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٨، "زاد المسير" ٨/ ١٤٥، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٦، "فتح القدير" ٥/ ٣٤٧.
(٥) "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٦) "النكت والعيون" ٦/ ١٦٦.
(٧) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، المرجع السابق، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٨٥.
وقوله: وَأَسِيرًا قال الحسن: الأسير (١) من أهل الشرك (٢).
وهو قول ابن عباس (٣)، وقتادة، قال: كان أسيرهم يومئذ مشركًا، فأخوك المسلم، أخوك أحق أن تطعمه (٤).
ونحو هذا قال مقاتل (٥) في الأسير: إنه من المشركين؛ إلا أنه قام ثم نسخ طعام الأسير (٦).
(٢) الأسير في اللغة: من الأسر، أصل واحد، وقياس مطرد، وهو: الحبس، وهو الإمساك، من ذلك: الأسير، وكانوا يشدونه بالقِدِّ، وهو الإسار. انظر: "مقاييس اللغة" ١/ ١٠٧ (أسر).
(٣) بمعناه في: "جامع البيان" ٢٩/ ٢١٠، و"النكت والعيون" ٦/ ١٦٦، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٤١٠، و"زاد المسير" ٨/ ١٤٦، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٥، و"الدر المنثور" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى: سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه. وانظر: "تفسير الحسن البصري" ٣٨٤.
(٤) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٧٧، "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٥، "القرطبي" ١٩/ ١٢٧، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٨٥، "الدر المنثور" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى ابن المنذر.
(٥) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٣٦، "جامع البيان" ٢٩/ ٢١٠، "الكشف والبيان" ١٣/ ١٤/ ب، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، "المحرر الوجيز" ٥/ ٤١٠، "زاد المسير" ٨/ ١٤٦، "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٥، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٧.
(٦) وممن قال بنسخ إطعام الأسير من المشركين بآية السيف: هبة الله بن سلامة؛ قال: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا" هذا محكم في أهل القبلة، "وأسيرًا" "هذا منسوخ بآية السيف، وهو من غير أهل القبلة، وهم المشركون". الناسخ والمنسوخ: ١٩١. وقد وضح محقق كتاب الناسخ والمنسوخ: لهبة الله أن مراد المؤلف بالمنسوخ في الآية هو عدم قتل الأسير الكافر، أما إطعامه فلا خلاف في أنه محكم. وممن قال بنسخ الآية أيضًا بآية السيف: ابن البارزي في: ناسخ القرآن ومنسوخه: ٥٦. وقد رد دعوى النسخ ابن الجزري في "نواسخ القرآن" ٢٥٠، =
قال أهل العلم (١): هذه الآية تدل على أن إطعام الأسرى (٢)، وإن كانوا من غير أهل ملتنا حسن يرجى ثوابه، فأما فريضة الكفارات، (والزكوات) (٣)، فلا يجوز وضعها في فقراء المشركين، وأسراهم.
وفي الأسير قولان (آخران) (٤):
أحدهما: أن المسجون من أهل القبلة، وهو قول مجاهد (٥)، وعطاء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وروي ذلك مرفوعًا من طريق أبي (سعيد) (٨) الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في قوله: مِسْكِينًا: فقيرًا،
(١) قال بذلك الجصاص في: "أحكام القرآن" ٣/ ٤٧١، وابن العربي في: "أحكام القرآن" ٤/ ١٨٩٨، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٧. قال الإمام النووي في "المجموع": "ولا يجوز دفع شيء من الزكوات إلى كافرة سواء زكاة فطر وزكاة المال، وهذا لا خلاف فيه عندنا" ٦/ ٢٢٨.
(٢) في (ع): الأسارى
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) "جامع البيان" ١٩/ ٢١٠، "الكشف والبيان" ١٣: ١٤/ ب، "النكت والعيون" ٦/ ١٦٦، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، " المحرر الوجيز" ٥/ ٤١٠، "زاد المسير" ٨/ ١٤٦، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٧.
(٦) المراجع السابقة عدا: "النكت والعيون"، وانظر أيضًا: "الدر المنثور" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى ابن أبي شيبة.
(٧) المراجع السابقة.
(٨) ساقط من (ع).
وَيَتِيمًا لا أب له، وَأَسِيرًا قال: المملوك والمسجون (١).
القول الثاني: أن المراد بالأسير: المرأة، وهن أسرى (٢) عند الأزواج، يدل عليه الحديث: "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" (٣)، وهو قول الثمالي (٤).
قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عليًا رضي الله عنه أجر نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح، فلما أصبح (٥) وقبض الشعير طحن ثلاثة، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، يقال له: الخَزيرَة (٦)، فلما تم
(٢) في (أ): أسروا.
(٣) الحديث أخرجه ابن ماجه ١/ ٣٤١ ح ١٨٥٦ من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه: أبواب النكاح: حق المرأة على الزواج. كما أخرجه الترمذي ٣/ ٤٥٨، ح: ١١٦٣، كتاب الرضاع: باب ١١، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح، كما أخرجه أيضًا في كتاب التفسير: ٥/ ٢٧٤: ح: ٣٠٨٧: باب ١٠، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح. وقد حسنه الألباني. انظر: "صحيح سنن ابن ماجه" ١/ ٣١١، ح: ١٥٠١، باب ٣.
عوان: جمع عانية، والعاني: الأسير. انظر: "تحفة الأحوذي" المباركفوري: ٤/ ٢٧٣: كتاب الرضاع: باب ١١.
(٤) "المحرر الوجيز" ٥/ ٤١١، "زاد المسير" ٨/ ١٤٦، "الجامع" للقرطبي ١٩/ ١٢٧.
(٥) في (أ): الصبح.
(٦) الخزيرة: لحم يقطع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل: هي حسًا من دقيق ودَسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهي حَريرة، وإذا كان من نُخالة فهو خزيرة. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٢٨ باب الخاء مع الزاي.
نضاجه (١) أتى مسكين، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عملا الثلث الثاني، فلما تم نضاجه أتى يتيم، (فسأل، فأطعموه) (٢)، (فأخرجوا له الطعام) (٣)، ثم عملا الثلث الباقي، فلما تم نضاجه (٤) أتى أسير من المشركين، فسأله، فأطعموه، وطووا يومهم ذلك (٥).
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٤) في (ع): إنضاجه.
(٥) وردت الرواية مطولة في: "الكشف والبيان" ١٣: من ورقة: ١٦ إلى ورقة ١٩ عند تفسيره لقوله: "يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا"، وانظر معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، وذكرت أيضًا مطولة بمعناها في: الكشاف: ٥/ ١٦٩، وفي "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٤، وفي الجامع لأحكام القرآن: ١٩/ ١٣١ - ١٣٢. وقد رد القرطبي هذه الرواية وأمثالها مما روي عن علي وفاطمة -رضي الله عنهما-، ووصفها بأنها من أحاديث السجون التي يعمد أصحابها إلى السهر بكتابة مثل هذه الروايات، وهم في سجونهم، كما بين أن الروايات المطولة بزيادات وأشعار عن علي وفاطمة -رضي الله عنهما- فيها ما يبين كذبها وبطلانها. وقد ذكرت أيضًا في: أسباب النزول: ٣٧٨، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لقوله تعالى: جَنَّةً وَحَرِيرًا. "النكت والعيون" ٦/ ١٦٨. وقال ابن حجر: رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ الآية. فذكر تمامه، وزاد في أثنائه أشعارًا لعلي وفاطمة. قال الحكيم الترمذي: ومن الأحاديث التي تنكرها القلوب، حديث رووه عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره بشعره، ثم قال: هذا حديث مزوق مفتعل، لا يروج إلا على أحمق جاهل. ورواه ابن الجوزي في: الموضوعات من طريق أبي عبد الله السمرقندي، عن محمد بن كثير، عن الأصبغ بن نباتة، ثم قال: وهذا لا شك في وضعه. انظر: "الكافي الشاف" ١٨٠. كما فند هذه الرواية بالحجة والبرهان محققا "الوسيط" ٤/ ٤٠١.
قول تعالي: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ قال مجاهد: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ليرغب فيه راغب (١).
وقال الكلبي: لم يتكلم أهل هذه الصدقة، ولكن عرف (الله) (٢) نياتهم، فأظهر فعالهم (٣).
وقال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى أثنى عليهم بما علم من نياتهم، فذكر ما أتوا به؛ ولأن اليتيم والمسكين (٤) والأسير لم يكن عندهم جزاء، ولا مكافأة، ولا شكر، ولكن الله تعالى قبل اليسير الذي فعلوه، وشكره، وعلم من نياتهم أنهم فعلوا ذلك خوفًا من الله عز وجل، ورجاء ثوابه (٥).
وقال الأخفش في قوله: (شكورًا): إن شئت جعلته (جماعة الشُّكْر، مثل: برد وبرود، وإن شئت جعلته) (٦) مصدرًا واحدًا في معنى جمع (٧)، مثل: القعود (٨)، والخروج (٩)، (ونحو هذا قال في: (الكفور) في قوله:
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) في (ع) اليتيم والمسكين.
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) ما بين القوسين ساقطة من (أ).
(٧) في (ع): جميع.
(٨) في (ع): العقود.
(٩) "معاني القرآن" ٢/ ٧٢٢ بتصرف.
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء: ٩٩]) (١).
قوله تعالى: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا قال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): تعبس (٤) الوجوه من هول ذلك اليوم وشدته، فلا تنبسط.
قال ابن قتيبة: جعل (عبوسًا) من صفة ذلك اليوم، والمعنى: أن الوجوه تعبس في ذلك اليوم، كما يقال: يوم عاصف، أي ذو عصوف (٥). كذلك المعنى -هاهنا- ذو (٦) عبوس (٧) فيه.
وقوله: قَمْطَرِيرًا قال مجاهد: تقبض الوجوه بالشرور (٨). ونحو هذا قال مقاتل (٩)، وقتادة (١٠): تقبض الجباه، وما بين العينين من شدته، (وهو
(٢) بمعناه في: "الكشف والبيان" ١٣/ ١٥/ أ، ومعالم التنزيل: ٤/ ٤٢٩.
(٣) بمعناه في: "تفسير مقاتل" ٢٢٠/ أ، "الكشف والبيان" ١٣/ ١٥/ أ.
(٤) في (أ): تعبيس.
(٥) "تفسير غريب القرآن" ٥٠٢ بيسير من التصرف.
(٦) في (أ): ذوا.
(٧) قال ابن منظور: عَبَس يَعْبِس عَبْسًا، وعَبس: قطب ما بين عينيه، ويوم عابس وعَبُوس: شديد. انظر: "لسان العرب" ٦/ ١٢٨: مادة: (عبس). وقال ابن فارس: عبس: أصل يدل على تكرُّه في شيء، وأصل العَبَس: ما يبس على هُلْب الذنب من بَعر وغيره، وهو من الإبل كالوَذج من الشاء، ثم اشتق من هذا: اليوم العَبوس، وهو الشديد الكريه، واشتق منه عبس الرجل يعبس عبوسًا، وهو عابس الوجه: غضبان. انظر: "مقاييس اللغة" ٤/ ٢١٠ - ٢١٢ مادة: (عبس).
(٨) "الكشف والبيان" ١٣/ ١٥/ أ.
(٩) بمعناه في "تفسير مقاتل" ٢٢٠/ أ، "الكشف والبيان" ١٣/ ١٥/ أ، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٩، "زاد المسير" ٨/ ١٤٦.
(١٠) المراجع السابقة عدا "زاد المسير"، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٣٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي