ﭑﭒﭓﭔﭕ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦: ألم نهلك الأولين( ١٦ ) ثم نتبعهم الآخرين( ١٧ ) كذلك نفعل بالمجرمين( ١٨ ) ويل يومئذ للمكذبين( ١٩ ) ألم نخلقكم من ماء مهين( ٢٠ ) فجعلناه في قرار مكين١( ٢١ ) إلى قدر معلوم٢( ٢٢ ) فقدرنا٣ فنعم القادرون( ٢٣ ) ويل يومئذ للمكذبين( ٢٤ ) ألم نجعل الأرض كفاتا٤( ٢٥ ) أحياء وأمواتا( ٢٦ ) وجعلنا فيها رواسي شامخات٥ وأسقيناكم ماء فراتا٦( ٢٧ ) ويل يومئذ للمكذبين( ٢٨ ) [ ١٦-٢٨ ].
والآيات متصلة بالسياق السابق أيضا، وبسبيل التدليل على قدرة الله على تحقيق ما يوعد به الناس من البعث والحساب والجزاء وهي ثلاثة مقاطع كل منها ينتهي بإنذار المكذبين بهول ذلك اليوم، وهذا التكرار مستمر في جميع مقاطع السورة مما جعل لها خصوصية نظمية ومما ينطوي فيه تشديد في الإنذار والتقريع كما هو المتبادر.
وفي كل مقطع حجة مقتطعة مما يعرفه السامعون من حقائق لا سبيل للمماراة فيها من قدرة الله وعظمة كونه ودقة نواميسه فيه حيث تستحكم الحجة فيهم.
وقد جاءت المقاطع بأسلوب السؤال الاستنكاري الذي ينطوي فيه تقرير معرفة السامعين لجوابه الصحيح وهو التسليم بقدرة الله وصدق الحجة، فهم يعرفون أن الله عز وجل قد أهلك الأولين وأتبعهم بمن بعدهم، وأن هذه عادته في المجرمين، وهم يعرفون أن الله عز وجل خلقهم من ماء مهين قدر له وقتا معلوما في الرحم، وأنه هو الذي سواهم على أحسن تقدير وحساب وتكوين، وهم يعرفون أن الله عز وجل جعل الأرض نطاقا واسعا للأحياء والأموات، وجعل فيها الرواسي الشامخات، وأجرى فيها المياه العذبة التي يستقون منها والتي فيها قوام حياتهم. وفي كل هذا الدليل القاطع على قدرته على بعثهم بعد الموت للحساب.
وفي القرآن آيات جاء فيها اعترافهم صريحا بكل هذا وهو الذي سوغ لنا تأويل الآيات بما أولناه بها. ففي سورة العنكبوت هذه الآية : وعاد وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين٣٨ حيث ينطوي فيها معرفتهم بنكال الأقوام السابقين بسبب اتباعهم الشيطان وعدم استجابتهم إلى رسلهم، ومن هذا الباب آيات سورة الصافات هذه : وإن لوطا لمن المرسلين١٣٣ إذ نجيناه وأهله أجمعين١٣٤ إلا عجوزا في الغابرين١٣٥ ثم دمرنا الآخرين١٣٦ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين١٣٧ وبالليل أفلا تعقلون١٣٨ ). وفي سورة الزخرف هذه الآيات :{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم٩ الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون١٠ والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون١١ والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون١٢ ). وهذه الآية { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون٨٧ وفي سورة الواقعة هذه الآيات : أفرأيتم ما تمنون٥٨ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون٥٩ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين٦٠ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون٦١ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون٦٢ .
ومع أن أسلوب الآيات عام للسامعين على اختلافهم فالمتبادر من روحها أنها موجهة إلى الكفار والمكذبين على سبيل الإنذار والتقريع والإفحام والدعوة إلى الارعواء. وفي الآيات التالية لها دلالة صريحة على ذلك.
تنبيه إلى أن الدعوة قائمة على الإقناع
وفي هذه الآيات وأمثالها الكثيرة مما سبق ومما سيأتي ظاهرة قرآنية جليلة، وهي أن الدعوة كانت تقوم على الإقناع والجدل المنطقي الذي فيه الحجة الدامغة والإفحام، وعلى لفت النظر إلى وجود الله وقدرته الشاملة وحكمته البالغة بما في ملكوت السماوات والأرض، وبما في تكوين وقوى الناس أنفسهم الذين يوجه إليهم الخطاب من آيات ومشاهد باهرة قائمة، مما يعترفون به ومما لا يتحمل مماراة ولا يحتاج إلى براهين خارقة، واستحقاق الله وحده من أجل ذلك للخضوع والعبودية والاتجاه.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير