ﭑﭒﭓﭔﭕ ﭗﭘﭙﭚ ﭜﭝﭞ ﭠﭡﭢ

فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي مَوْقِعِ جُمْلَةِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يُقَدَّرُ الْكَلَامُ الْمُعَوِّضُ عَنْهُ تَنْوِينُ يَوْمَئِذٍ يَوْمَ إِذْ يُقَالُ لَهُمْ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ [المرسلات: ١٦].
وَالْمُرَادُ بِالْمُكَذِّبِينَ: الْمُخَاطَبُونَ فَهُوَ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِتَسْجِيلِ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ، وَالْمَعْنَى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لَكُمْ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِي مَوْقِعِ الْجُمْلَةِ يقدر الْمَحْذُوف المعرض عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إِذِ النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات: ٨] إِلَخْ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرَتِهَا الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُكَذِّبِينَ جَمِيعُ الْمُكَذِّبِينَ الشَّامِلُ لِلسَّامِعِينَ.
وَعَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ فَتَقْرِيرُ مَعْنَى الْجُمْلَتَيْنِ حَاصِلٌ لِأَنَّ الْيَوْمَ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَلِأَنَّ الْمُكَذِّبِينَ يَصْدُقُ بِالْأَحْيَاءِ وبأهل الْمَحْشَر.
[٢٠- ٢٣]
[سُورَة المرسلات (٧٧) : الْآيَات ٢٠ إِلَى ٢٣]
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣)
تَقْرِيرٌ أَيْضًا يَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، جِيءَ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ تَعْدَادِ الْخِطَابِ فِي مَقَامِ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ.
وَكُلٌّ مِنَ التَّقْرِيرِ وَالتَّقْرِيعِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ تَرْكِ الْعَطْفِ لِشَبَهِهِ بِالتَّكْرِيرِ فِي أَنَّهُ تَكْرِيرُ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرَ لَفْظٍ، وَالتَّكْرِيرُ شَبِيهٌ بِالْأَعْدَادِ الْمَسْرُودَةِ فَكَانَ حَقُّهُ تَرْكَ الْعَطْفِ فِيهِ.
وَقَدْ جَاءَ هُنَا التَّقْرِيرُ عَلَى ثُبُوتِ الْإِيجَادِ بَعْدَ الْعَدَمِ إِيجَادًا مُتْقَنًا دَالًّا عَلَى كَمَالِ الْحِكْمَةِ وَالْقُدْرَةِ لِيُفْضَى بِذَلِكَ التَّقْرِيرِ إِلَى التَّوْبِيخِ عَلَى إِنْكَارِ الْبَعْثِ وَالْإِعَادَةِ وَإِلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ بِإِمْكَانِهِ بِإِعَادَةِ الْخلق كَمَا بدىء أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكَفَى بِذَلِكَ مُرَجِّحًا لِوُقُوعِ هَذَا الْمُمْكِنِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَجْرِي عَلَى وِفْقِ الْإِرَادَةِ بِتَرْجِيحِ جَانِبِ إِيجَادِ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ.
وَالْمَاءُ: هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ. وَالْمَهِينُ: الضَّعِيفُ فَعِيلٌ مِنْ مَهُنَ، إِذَا ضَعُفَ، وَمِيمُهُ أَصْلِيَّةٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَادَّةِ هَانَ.

صفحة رقم 430

وَهَذَا الْوَصْفُ كِنَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ خَلَقَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ الضَّعِيفِ إِنْسَانًا شَدِيدَ الْقُوَّةِ عَقْلًا وَجِسْمًا.
وَحَرْفُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ لِأَنَّ تَكْوِينَ الْإِنْسَانِ نَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، كَمَا تَقُولُ: هَذِهِ النَّخْلَةَ مِنْ نُوَاةٍ تَوْزَرِيَّةٍ.
وَجُعِلَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ تَخَلُّقُهُ إِلَّا بِذَلِكَ الْمَاءِ إِذَا لَاقَى بُوَيْضَاتِ الدَّمِ فِي الرَّحِمِ، فَاقْتَصَرَتِ الْآيَةُ عَلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْوِينَ الْجَنِينِ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَمَاءِ الرَّجُلِ.
وَقَوْلُهُ: فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ الْخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ الْإِدْمَاجِ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ لِأَنَّ لَهُ دَخْلًا فِي تَبْيِينِ إِمْكَانِ الْإِعَادَةِ إِذْ شَدِيدُ الْقُدْرَةِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءُ، وَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ فَنِعْمَ الْقادِرُونَ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ الْآتِيَيْنِ.
وَالْقَرَارُ: مَحَلُّ الْقُرُورِ وَالْمُكْثِ.
ومَكِينٍ: صِفَةٌ لِ قَرارٍ، أَيْ مَكَانٍ مُتَمَكِّنٍ فِي ذَلِكَ فَهُوَ فَعِيلٌ مَنْ مَكُنَ مَكَانَةً، إِذَا ثَبَتَ وَرَسَخَ.
وَوُصِفَ الْقَرَارُ بِالْمَكِينِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، أَيْ مَكِينُ الْحَالِ وَالْمُسْتَقَرُّ فِيهِ.
فَالتَّقْدِيرُ: مَكِينٌ فِيهِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَرَارِ الْمَكِينِ: الرَّحِمُ.
وَالْقَدَرُ: بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمِقْدَارُ الْمُعَيَّنُ الْمَضْبُوطُ، وَالْمُرَادُ مِقْدَارٌ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ مُدَّةُ الْحَمْلِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ فَقَدَرْنا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ مِنْ قَدَرَ الْمُتَعَدِّي وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُقَالُ: قَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ تَقْدِيرًا فَهُوَ مُقَدَّرٌ، وَقَدَرَ
بِالتَّخْفِيفِ قَدْرًا فَهُوَ قَادِرٌ، إِذَا جَعَلَ الشَّيْءَ عَلَى مِقْدَارٍ مُنَاسِبٍ لِمَا جُعِلَ لَهُ.
وَالْمَعْنَى: فَقَدَّرْنَا الْخَلْقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس: ١٩] وَقَوْلِهِ:
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الْفرْقَان: ٢].

صفحة رقم 431

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية