ﯝﯞﯟ

إلاَّ حميماً ؛ ماءً حاراً، استثناء منقطع، أي : لا يذوقون في جهنم، أو في الأحقاب، برداً، ولا ينفس عنهم غم حر النهار، أو : نوماً، فإنَّ النوم يطلق عليه البرد، لأنه يبرد سَوْرة العطش، ولا شراباً يُسكن عطشهم، لكن يذوقون فيها ماءً حاراً، يحرق ما يأتي عليه، وغسَّاقاً أي : صديداً يسيل من أجسادهم. وفي القاموس : وغَساق كسَحاب وشدّاد : البادرُ المنتن. وقال الهروي عن الليث :( وغساقاً ) أي : مُنتناً، ودلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم :" لو أنَّ دلواً من غساق يُهرَاقُ في الدنيا، لأنتَنَ أهلُ الدنيا " ١، وقيل : ما يسيل من أعينهم من دموعهم يسقون به مع الحميم، يقال : غسقت عينه تغْسَق، إذا سالت. ثم قال : ومَن قرأ بالتخفيف، فهو البارد الذي يُحرق ببرده. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنَّ يوم الفصل بين العمومية والخصوصية، أو تقول : بين الانتقال من مقام أهل اليمين إلى مقام المقربين، كان في علم الله ميقاتاً، أي : مؤقتاً، وهو يوم انتقاله من شهود الأكوان إلى شهود المكوِّن، أو من مقام البرهان إلى مقام العيان. يوم يُنفخ في صور الأرواح التي سبقت لها العناية، فيُزعجها شوق مقلق أو خوف مزعج، فتأتون إلى حضرة القدس، تسيرون إليها على يد الخبير أفواجاً، وفُتحت سماء الأرواح ليقع العروج إليها من تلك الأرواح السائرة، فكانت أبواباً، وسُيرت جبال العقل حين سطوع أنوار الحقائق، فكانت سراباً، فلا يبقى من نور العقل إِلاّ ما يميز به بين الحس والمعنى، وبين الشريعة والحقيقة. إنَّ جهنم البُعد كانت مِرصاداً، للطاغين المتكبرين عن حط رؤوسهم للخبير، الباقين مع عامة أهل اليمين، مآباً لا يبرحون عنها، لابثين فيها أحقاباً مدة عمرهم وما بعد موتهم، لا يذوقون فيها برد الرضا، ولا شراب نسيم التسليم، إلاَّ حميماً : حر التدبير والاختيار، وغساقاً : نتن حب الدنيا وهمومها، جزاءً موافقاً لميلهم إلى الحظوظ والهوى، إنهم كانوا لا يرجون حِساباً، فلم يحاسبوا نفوسهم، ولا التفتوا إلى إخلاصها، وكذّبوا بأهل الخصوصية، وهم الأولياء الدالون على الله، ثم يقال لهم : ذّوقوا وبال القطيعة، فلن نزيدكم إلاّ تعباً وحرصاً وجزعاً. عائذاً بالله من سوء القضاء، وشماتة الأعداء.



١ أخرجه الترمذي في صفة جهنم حديث ٢٥٨٤، وأحمد في المسند ٣/٨٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير