١- مشروعية الاستغاثة بالله تعالى وهي عبادة فلا يصح أن يستغاث بغير الله تعالى.
٢- تقرير عقيدة أن الملائكة عباد لله يسخرهم في فعل ما يشاء، وقد سخرهم للقتال مع المؤمنين فقاتلوا، ونصروا وثبتوا وذلك بأمر الله تعالى لهم بذلك.
٣- تعداد نعم الله تعالى على المؤمنين في غزوة بدر وهي كثيرة.
٤-مشاقة١ الله ورسوله كفر يستوجب صاحبها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
٥- تعليم الله تعالى عباده كيف يقاتلون ويضربون أعداءهم، وهذا شرف كبير للمؤمنين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
شرح الكلمات:
زحفاً٢: أي زاحفين لكثرتهم ولبطىء سيرهم كأنهم يزحفون على
٢ الزّحف: الدنوّ قليلاً قليلاً، وأصله، الاندفاع على الإلية، ثم سمي كل ماشٍ إلى حرب آخر زاحفاً، وازدحف القوم: إذا مشى بعضهم إلى بعض والزحاف: من علل الشعر وهو: أن يسقط من الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر.
الأرض.
فلا تولوهم الأدبار: أي لا تنهزموا فتفروا أمامهم فتولونهم أدباركم.
متحرفاً لقتال: أي مائلاً من جهة إلى أخرى ليتمكن من ضرب العدو وقتاله.
أو متحيزاً إلى فئة: أي يريد الانحياز إلى جماعة من المؤمنين تقاتل.
فقد باء بغضب: أي رجع من المعركة مصحوباً بغضب من الله تعالى لمعصيته إياه.
وليبلي: أي لينعم عليهم بنعمة النصر والظفر على قلة عددهم فيشكروا.
فئتكم: مقاتلتكم من رجالكم الكثيرين.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن غزوة بدر وما فيها من جلائل النعم وخفى الحكم ففي أولى هذه الآيات ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين فيقول يا أيها الذين آمنوا إذا١ لقيتم الذين كفروا زحفاً أي وأنتم وإياهم زاحفون إلى بعضكم البعض فلا تولوهم الأدبار٢ أي لا تنهزموا أمامهم فتعطوهم أدباركم فتمكنوهم من قتلكم، إنكم أحق بالنصر منهم، وأولى بالظفر والغلب إنكم مؤمنون وهم كافرون فلا يصح منكم انهزام أبداً ومن يولهم يومئذ دبره اللهم إلا متحرفاً لقتال أي مائلاً من جهة إلى أخرى ليكون ذلك أمكن له في القتال أو متحيزاً إلى فئة أي منحازاً إلى جماعة من المؤمنين تقاتل فيقاتل معها ليقويها أو يقوى بها، من ولى الكافرين دبره في غير هاتين الحالتين فقد باء بغضب من الله أي رجع من جهاده مصحوباً بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ٣
| تأخرت أستبقي الحياة فلم | أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما |
٣ الحمد لله أنه لم يقل خالداً فيها بل قال: مأواه جهنم ولذا ورد أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فرّ من الزحف".
وذلك بعد موته وانتقاله إلى الآخرة، وقوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم يخبر تعالى عباده المؤمنين الذين حرم عليهم التولي ساعة الزحف وتوعدهم بالغضب وعذاب النار يوم القيامة أنهم لم يقتلوا المشركين على الحقيقة وإنما الذي قتلهم هو الله فهو الذي أمرهم وقدرهم وأعانهم، ولولاه ما قتل أحد ولا مات فليعرفوا هذا حتى لا يخطر ببالهم أنهم هم المقاتلون وحدهم. وحتى رمي رسوله المشركين بتلك التي وصلت إلى جل أعين المشركين في المعركة فأذهلتهم وحيرتهم بل وعوقتهم عن القتال وسببت هزيمتهم كان الله تعالى هو الرامي الذي أوصل التراب إلى أعين المشركين، إذ لو ترك الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا لقوته لما وصلت حثية التراب إلى أعين الصف الأول من المقاتلين المشركين، ولذا قال تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى١ وقوله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً أي فعل تعالى ذلك القتل بالمشركين والرمي بإيصال التراب إلى أعينهم ليذل الكافرين ويكسر شوكتهم وليبلي٢ المؤمنين أي ولينعم عليهم الأنعام الحسن بنصرهم وتأييدهم في الدنيا وإدخالهم الجنة في الآخرة. وقوله تعالى إن الله سميع عليم بمقتضى هاتين الصفتين كان الإبلاء الحسن، فقد سمع تعالى أقوال المؤمنين واستغاثتهم به، وعلم ضعفهم وحاجتهم فأيدهم ونصرهم فكان ذلك منه إبلاء حسناً، وقوله تعالى ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين أي ذلكم القتل والرمي والإبلاء كله حق واقع بقدرة الله تعالى وأن الله موهن أي مضعف كيد الكافرين فكلما كادوا كيداً بأوليائه وأهل طاعته أضعفه وأبطل مفعوله، وله الحمد والمنة. وقوله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، وإن تنتهوا فهو خير لكم هذا خطاب للمشركين حيث قال أبو جهل وغيره من رؤساء المشركين٣ "اللهم أينا كان أفجر لك واقطع للرحم فأحنه اليوم، اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة" أي أهلكه الغداة يوم بدر فأنزل الله تعالى إن
٢ {وليبلي، الجملة متعلقة بمحذوف تقديره: فعل ذلك أي النصر، والهزيمة للكفار ليبلي المؤمنين... الخ.
٣ قالوا هذا وهم يتجهّزون للقتال في مكة، وقالوه في ساحة بدر قبل القتال.
تستفتحوا} أي تطلبوا الفتح وهو القضاء بينكم وبين نبينا محمد فقد جاءكم الفتح وهي هزيمتهم في بدر وإن تنتهوا تكفوا عن الحرب والقتال وتنقادوا لحكم الله تعالى فتسلموا فهو خير لكم وإن تعودوا للحرب والكفر نعد فنسلط عليكم رسولنا والمؤمنين لنذيقكم على أيديهم الذل والهزيمة ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت وبلغ تعداد المقاتلين منكم عشرات الآلاف، هذا وأن الله دوماً مع المؤمنين فلن يتخلى عن تأييدهم ونصرتهم ما استقاموا على طاعة ربهم ظاهراً وباطناً.
هداية الآيات
هن هداية الآيات:
١- حرمة الفرار من العدو الكافر عند١ اللقاء لما توعد الله تعالى عليه من الغضب والعذاب ولعد الرسول له من الموبقات السبع في حديث مسلم "والتولي يوم الزحف".
٢- تقرير مبدأ أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه خلق العبد وخلق فعله، إذ لما كان العبد مخلوقاً وقدرته مخلوقة، ومأموراً ومنهياً ولا يصدر منه فعل ولا قول إلا بإقدار الله تعالى له كان الفاعل الحقيقي هو الله، وما للعبد إلا الكسب بجوارحه٢ وبذلك يجزى الخير بالخير والشر بمثله. عدل الله ورحمته.
٣-آية وصول حثية التراب من كف الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أغلب عيون المشركين في المعركة.
٤- إكرام الله تعالى وإبلاؤه لأولياءه البلاء الحسن فله الحمد وله المنة.
٥- ولاية الله للمؤمنين الصادقين هي أسباب نصرهم وكمالهم وإسعادهم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ
٢ مع ما وهبه الله من حرية الإرادة والقدرة على الاختيار ومع هذا فإنه لا يريد إلا ما أراده الله ولا يقع اختياره إلا على ما كتبه الله له أو عليه وقضى به أزلا وهنا تتجلى عظمة الرب تبارك وتعالى.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري