ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

وفي القصة ما ذكره البغوي أنه قال : مجاهد فلما انصرف المسلمون عن القتال كان الرجل يقول أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله فنزلت المصير١٦ فلم تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم بنصره إياكم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم وإمداد الملائكة لكم، وإلفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخر بقتلهم فلم يقتلوهم ولكن الله قتلهم وهذا سبب أقيم مقام المسبب والأصل في التقدير أن افتخرتم فقد أخطأتم إذ لم يقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم من غير تجشم منكم بإمداد على خلاف جرى العادة وما رميت يا محمد بالحصباء رميا يوصلها إلى أعينهم أجمعين ولم تكن تقدرعلى ذلك إذ رميت أتيت بصورة الرمي ولكن الله رمى أتى هو غاية الرمي فأوصلها إلى أعينهم جميعا حتى انهزموا. قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف لكن في الموضعين ورفع ما بعده والباقون بالتشديد ونصب ما بعده، روى ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس والأموي عن عبد الله بن ثعلبة بن صفير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يعنيفي مناشدته ربه " إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا " فقال : جبرئيل خذ قبصة من تراب فرمى بها في وجوههم فما بقي من المشركين احد إلا وأصاب عينه ومنخريه وفمه فولوا مدبرين فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : احملوا فلم يكن إلا الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسرمن أسروا أنزل الله تعالى المصير تقتلهم ولكن الله قتلهم الآية.
وروى الطبراني وأبو الشيخ برجال الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعلي رضي الله عنه ناولني قبضة من حصباء فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه الكفار في بقي احد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، وروى أبو الشيخ وأبو نعيم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن وجوه المشركين فانهزموا، وروى ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في مسيرة القوم وحصاة بين أظهرهم، وقال شاهت الوجوه فانهزم القوم وروى محمد بن عمر الأسلمي أمر رسول اله صلى الله عليه وسلم فأخذ من الحصباء كفا فرمى به المشركين وقال : شاهت الوجوه اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم فانهزم أعداء الله لا يلوذون على شيء والقواد روعهم والمسلمون يقتلون ويأسرون وما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعينه ما يدري أين يوجه والملائكة يقتلونهم. وروى الطبراني وابن أبي حاتم وابن جرير بسند حسن عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض وكأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصاة وقال شاهت الوجوه فانهزمنا. وفي شأن نزول الآيات روايات آخر غريبة منها ما روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : أقبل أبي بن خلف يوم احد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبله مصعب بن عمير ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فسقط من فرسه ولم يخرج من طعنه دم فكسر ضلعا من أضلاعه فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا ما أعجزك إنما هو خدش فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه بل أنا أقتل أبيا قال :" والذي نفسي بيده لو كان هذا بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين " فمات أبي قبل أن يقدم مكة فأنزل الله تعالى : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى إسناده صحيح لكنه غريب، ومنها ما أخرج ابن جرير عن عبد الرحمان بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر دعى بقوس فرمى الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه فأنزل الله وما رميت إذا رميت وهذا مرسل جيد لكنه غريب والله أعلم ليبلي المؤمنين أي لينعم الله عليهم منه أي ما فعل بلاء حسنا نعمة عظيمة قوله تعالى ليبلي معطوف على محذوف يعني فعل ما فعل ليظهر دينه ويقهر أعدائه ويبلي المؤمنين أي يعطيهم نعمة عظيمة النصر و الغنيمة وتقوية الإيمان بمشاهدة الآيات وأجر الجهاد والشهادة ودرجات القرب وعرفات الجنان ومرضاة الله تعالى، قلت : كان جواب سؤال مقدر وهو ان الله تعالى كان قادرا على أن يهلك الكفار أجمعين من غير مجاهدة المؤمنين وقتالهم حتى قتل بعضهم، ومن غير إمداد الملائكة أيضا كان ملك الملائكة كاف في إهلاكهم كما فعل بأشياعهم من قبل حيث قال : وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين ٢٨ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ٢٩ ١ فأي فائدة في إمدادهم بثلاثة آلاف من الملائكة وقتال الملائكة وغير ذلك فيقول الله سبحانه فعلنا هذا كله لإظهار دينه وإعطاء المؤمنين من الأنس والملائكة نعمة من الله من الجر والثواب والنصر والغنيمة، ولو أهلك كلهم بقدرته أو بصيحة ملك واحد ولم يبق من المشركين أحد من المشركين أحد لم ينل أحد منهم فضل الإيمان بالله تعالى وقد آمن كثير ممن بقي بعد ذلك ما نال المؤمنون أجر الجهاد والشهادة والغنيمة والفضل ما نال الملائكة ذلك الفضل.

فصل


فيما ورد في فضائل أهل بدر
روى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال : أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال جبرئيل : وكذلك من شهد بدرا من الملائكة " ٢ وروى احمد وبن ماجة عن رافع بن خديج نحوه، وروى احمد بسند صحيح على شرط مسلم عن جابر قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يدخل النار رجلا شهد بدر والحديبية " وروى أبو داود وابن ماجة والطبراني بسند جيد عن أبي هريرة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اطلع الله على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ٣ وروى أحمد عن حفصة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية قالت : أليس الله يقول : وإن منكم إلا واردها قال : سمعته يقول : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ٧٢ ٤ وروى مسلم الترمذي عن جابر ان عبد الله بن حطاب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوا حاطبا إليه فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخلن حاطب النار قال :" كذبت لا يدخلها فغنه شهد بدرا والحديبية " ٥ وفي الصحيحين عن علي قصة كتاب حاطب بن بلتعة وقول عمر :" يا رسول الله اضرب عنقه فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " أليس من أهل بدر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وقال : فقد وجبت لكم الجنة " ٦وقد ذكرنا الحديث في سورة الفتح وسورة الممتحنة.
وروى البخاري عن انس قال : أصيب حارثة بن زيد يوم بدر فجاءت أمه غلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب وغن يكن الأخرى فترى ما أصنع ؟ قال :" ويحك أو جنة واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة وإنه في الفردوس :٧وفي رواية عند غير البخاري عن انس أن حارثة كان في النظارة وفيه :" إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " ففيه تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فإنه لم يكن في بحبحة القتال ولا في حومة الغوائل بل كان من النظارة من بعيد وإنما أصابه سهم وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب جنة الفردوس التي هي أعلى الجنة وأوسطها ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا كان هذا حاله فما ظنك بمن كان في نحر العدو ووهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا، واستشكل قوله صلى الله عليه وسلم " اعملوا ما شئتم " فإن ظاهره الإباحة وهو خلاف عقد الشرع : إنه إخبار عن مغفرة الذنوب الماضية يدل عليه قوله :" قد غفرت لكم " بصيغة الماضي ورد هذا القول لو كان للماضي لما صح الاستدلال في قصة حاطب بن بلتعة لأنه صلى الله عليه وسلم خاطب عمر منكرا عليه ما قال : في أمر حاطب فإن هذه القصة كانت بعد بدر بست سنوات فدل على أن المراد مغفرة الذنوب المستقبلية وغنما أورد بلفظ الماضي مبالغة في تحققه والصحيح أن قوله صلى الله عليه وسلم :" اعملوا " للتشريف، والتكريم والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر عنهم وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيم التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة وتأهلوا لأن يغفر لهم للذنوب اللاحقة إن وقعت.
فائدة : اتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها والله اعلم أن الله سميع لاستغاثتهم ودعائهم عليم بنيانهم وأحوالهم
١ سورة يس الآيات ٢٨- ٢٩..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرا (٣٩٩٢)..
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في الخلفاء (٤٦٤١)..
٤ أخرجه احمد في المسند المجلد السادس /حديث حفصة أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر (٢١٩٥)، وأخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: في سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (٤٠٦٨.
٦ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب فضل من شهد بدرا (٣٩٨٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة (٢٤٩٤)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب من أتاه سهم عرب فقتله (٢٨٠٩)، وأخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المؤمنون (٣١٧٤)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير