قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ الفاء جواب شرط مقدّر، أي إذا عرفتم ما قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة، وإيقاع الرعب في قلوبهم، فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر.
قوله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى اختلف المفسرون في هذا الرمي على أقوال : فروي عن مالك أن المراد به : ما كان منه صلى الله عليه وسلم في يوم حنين، فإنه رمى المشركين بقبضة من حصباء الوادي، فأصابت كل واحد منهم. وقيل المراد به : الرمية التي رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيّ بن خلف بالحربة في عنقه، فانهزم ومات منها. وقيل المراد به : السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق، وهو على فراشه. وهذه الأقوال ضعيفة، فإن الآية نزلت عقب وقعة بدر. وأيضاً المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي الحقيق : أنه وقع على صورة غير هذه الصورة. والصحيح كما قال ابن إسحاق وغيره، أن المراد بالرمي المذكور في هذه الآية هو : ما كان منه صلى الله عليه وسلم في يوم بدر، فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين، فأصابت كل واحد منهم ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه.
قال ثعلب : المعنى وَمَا رَمَيْتَ الفزع والرعب في قلوبهم إِذْ رَمَيْتَ بالحصباء فانهزموا ولكن الله رمى أي : أعانك وأظفرك، والعرب تقول : رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك.
وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد المبرد : المعنى وَمَا رَمَيْتَ بقوّتك إِذْ رَمَيْتَ ولكنك بقوّة الله رميت.
وقيل المعنى : إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عزّ وجلّ، فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، هكذا في الكشاف.
قوله : وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا البلاء ها هنا : النعمة. والمعنى : ولينعم على المؤمنين إنعاماً جميلاً. واللام متعلقة بمحذوف، أي وللإنعام عليهم بنعمه الجميلة فعل ذلك لا لغيره، أو الواو عاطفة لما بعدها على علة مقدرة قبلها، أي ولكن الله رمى، ليمحق الكافرين، وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً. وإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ لدعائهم، عليم بأحوالهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله : إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ يعني : مستطرداً يريد الكرّة على المشركين أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ يعني : أو [ ينحاز ] إلى أصحابه من غير هزيمة فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله يقول : استوجبوا سخطاً من الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير فهذا يوم بدر خاصة، كان شديداً على المسلمين يومئذ، ليقطع دابر الكافرين وهو أول قتال قاتل المشركين من أهل مكة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال : المتحرّف : المتقدّم من أصحابه أن يرى عورة من العدوّ فيصيبها. والمتحيز : الفارّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره وأصحابه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال : هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، واللفظ له، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر قال : كنا في غزاة فحاص الناس حيصة، قلنا : كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال :«من القوم ؟» فقالنا : نحن الفرّارون، فقال :«لا، بل أنتم العكارون» فقبلنا يده فقال :" أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين "، ثم قرأ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ ». وقد روي في تحريم الفرار من الزحف، وأنه من الكبائر أحاديث، وورد عن جماعة من الصحابة أنه من الكبائر، كما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ قال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال : هذا قتلت وهذا قتلت وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ قال لمحمد صلى الله عليه وسلم حين حصب الكفار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ قال : رماهم يوم بدر بالحصباء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال :
«شاهت الوجوه»، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ الآية. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن جابر، قال : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر، كأنهنّ وقعن في طست، فلما اصطفّ الناس أخذهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهنّ في وجوه المشركين، فانهزموا. فذلك قوله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى . وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس، في قوله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ «ناولني قبضة من حصباء»، فناوله فرمى بها في وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت هذه الآية وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ .
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال : لما كان يوم أحد أخذ أبيّ بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترض رجال من المسلمين لأبيّ بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :«استأخروا»، فاستأخروا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده، فرمى بها أبيّ بن خلف، وكسر ضلعاً من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً، فاحتملوه حين ولوا قافلين، فطفقوا يقولون لا بأس، فقال أبيّ حين قالوا له ذلك : والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه. قال ابن المسيب : وفي ذلك أنزل الله وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، والزهري نحوه، وإسناده صحيح إليهما، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك. قال ابن كثير : وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جدّاً، ولعلهما أرادا أن الآية تتناولهما بعمومها، وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير كما سيأتي.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يوم ] ابن أبي الحقيق دعا بقوس فرمى بها الحصن، فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى . وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله : ولكن الله رمى أي : لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله من نصرك وما ألقى في صدور عدوّك حتى هزمهم وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوّهم مع كثرة عدوّهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني