ثم يربب الحق في المؤمنين ويطلب منهم ألاّ يفتتنوا بالأسباب فيقول سبحانه :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ١٧ ) .
وقول الحق تبارك وتعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ( من الآية ١٧ سورة الأنفال )، مثل قوله تعالى في آية أخرى : وما النصر إلا من عند الله ( من الآية ١٢٦ سورة آل عمران ).
وفي هذا ترتيب من الحق تبارك وتعالى للمؤمنين، فكما أن النصر من عند الله عز وجل لمن أخذ بالأسباب، كذلك قتل الكافرين كان بإرادته سبحانه لمن كفر ووقع هذا القتيل بيد المؤمن، فالمؤمن يضرب بالسيف، وينجرح العدو وينزف، لكن ألم تر جريحا لم يمت، وألم تر غير مجروح يموت ؟ إذن فالقتل هو من الله.
سبحان ربي إن أراد فلا مرد له يفوت
كم من جريح لا يموت وغير مجروح يموت
إذن فالمؤمنون حين حاربوا أهل الكفر إنما يجرحونهم فقط، أما الموت فهو واقع بهم من الله سبحانه وتعالى. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ( من الآية ١٧ سورة الأنفال )، ولقائل أن يقول : إن الحق تبارك وتعالى قال في موقع آخر : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ( من الآية ١٤ سورة التوبة ).
إذن فللمؤمن المقاتل مظهرية القتال، وللحق حقيقة القتل. ولذلك يأتي سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ( من الآية ١٧ سورة الأنفال ).
وفي هذا القول الكريم عطاء لشيء كان مجهولا لهم بشيء عُلِم لهم، وبذلك قاس غير معلوم بمعلوم. وعرفنا من قبل أنك إذا رأيت حدثا أو فعلا منفيا ومثبتا له في وقت واحد، قد يبدو لك أن في الكلام تناقضا. وهنا – على سبيل المثال - ينفي الحق الحدث في قوله : " وما رميت " ويثبته في قوله : " إذ رميت ". والرمي معروف. والفاعل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ينفي عنه الفعل أولا، ويثبته له ثانيا ؟.
ونعلم أن القائل هو رب حكيم، وأسلوبه على أعلى ما يكون. وحتى نفهم هذه المسألة، نحن نعرف أن كل حدث له هيئة يقوم عليها وله غاية ينتهي إليها، فمرة يوجد الحدث، لكن الغاية منه لا تتحقق، مثلما يقول الوالد لولده : لقد قرب الامتحان فاجلس في حجرتك وذاكر. ويجلس الولد في حجرته وأمامه كتاب ما يقلب صفحاته، وبعد ساعة يدخل الأب حجرة ابنه ليقول : هات كتابك لأسألك فيما ذاكرته. ويسأل الأب ابنه سؤالا ثم ثانيا فلا يعرف الابن الإجابة عن الأسئلة، فيقول الأب : ذاكرت وما ذاكرت. أي كأنه لم يذاكر، بل فعل الفعل شكليا، بأن جلس إلى المذاكرة، ولم يؤد ما عليه لأن أثر الفعل وهو المذاكرة لم يتحقق.
وفي غزوة بدر استنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه واستغاث ودعا الله ورفع يديه فقال :
( يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم ) فأخذ صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلاّ أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين١ ومعلوم أنه ساعة تأتي ذرة تراب في عيني الإنسان يشتغل بعينيه عن كل شيء. إذن فقول الحق تبارك وتعالى :
وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ( من الآية ١٧ سورة الأنفال )، أي أنك يا رسول الله ما أرسلت بالرمية الواحدة – حفنة التراب- إلى عيون كل الأعداء ؛ لأن هذه مسألة لا يقدر عليها أحد، ولكنك " إذ رميت " أي أديت نصيحة جبريل لك، أما الإيصال إلى عيون العدو فهذا من فعل الله القوي القادر.
ويتابع سبحانه وتعالى قوله : وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( من الآية ١٧ سورة الأنفال ).
والبلاء الحسن هنا هو خوض المعركة وحسن أداء القتال فيها.
ويخطئ الإنسان حين يظن أن البلاء هو نزول المصائب، لا، إن البلاء هو الاختبار بأي صورة من الصور. فالطالب الذي استذكر دروسه يكون الامتحان بالنسبة له بلاء حسنا، ومن لم يستذكر يكون الامتحان بالنسبة له بلاء سيئا. إذن فالابتلاء غير مذموم على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، لكن بنتيجة الإنسان فيه هل ينجح أم لا.
وحتى نعرف أن القرآن يفسر بعضه بعضا فلنقرأ قول الحق تبارك وتعالى :
ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( من الآية ٣٥ سورة الأنبياء ).
فالخير بلاء، وحين تستخدم الخير في خدمة منهج الله تعالى ولا تطغى به، وحين تصبر على الشر ولا تتمرد على قدر الله، فهذا كله اختبار من الله عز وجل، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمنِ( ١٥ ) ( سورة الفجر )، وهذا هو الابتلاء بالخير، أما الابتلاء بالشر فيقول عنه الحق سبحانه :
وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني( ١٦ ) ( سورة الفجر ).
والابتلاء بالخير أو بالشر هو مجرد اختبار، والاختبار كما وضحنا غير مذموم على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، ولكنه يذم ويمدح بالنسبة لغايته التي وصل إليها المبتلى أو من يمر بالاختبار، فإن نجح، فهذا ابتلاء حسن، وإن فشل، فهو ابتلاء سيء.
ونلحظ – على سبيل المثال- أن الطالب الذي ركز فكره ووقته وحبس نفسه وبذل طاقته في التحصيل والاستذكار طوال العام الدراسي، هذا الطالب حين يدخل الامتحان. فهو يحاول أن يثأر من التعب الذي عاناه في التحصيل والإحاطة ؛ لذلك يجيب على الأسئلة بدقة، وكلما انتهى من إجابة سؤال إجابة صحيحة ؛ يشعر ببعض الراحة، وإن حاول زميل له أن يشوش عليه فهو يصده ولا يلتفت إليه، بل قد يستدعي له المراقب.
والمؤمن الذي يشترك مع المؤمنين في البلاء الحسن هو مثل التلميذ الذي يؤدي ما عليه بإخلاص.
والذي يسمع همسة كل مؤمن ويرى فعله هو الحق سبحانه وتعالى، ولذلك جاء بعد الحديث عن البلاء الحسن بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( من الآية ١٧ سورة الأنفال ).
إذن فالله سبحانه وتعالى سميع بما تجهرون به وعليم بما تخفونه في صدوركم. وهو جلا وعلا يعلم من حارب بقوة الإيمان، ومن خالطته الرغبة في أن يرى الآخرون مهارته في القتال ليشيدوا بهذه المهارة. ولا أحد بقادر على أن يدلس على الله عز وجل.
تفسير الشعراوي
الشعراوي