ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

زَحْفاً حال من الذين كفروا. والزحف: الجيش الدهم «١» الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أى يدب دبيباً، من زحف الصبى إذا دبّ على استه قليلا قليلا، سمى بالمصدر والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفرّوا، فضلا أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، أو حال من الفريقين. أى إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، أو حال من المؤمنين كأنهم أشعروا بما كان سيكون منهم يوم حنين حين تولوا مدبرين، وهم زحف من الزحوف اثنى عشر ألفاً، وتقدمة «٢» نهى لهم عن الفرار يومئذ. وفي قوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ أمارة عليه إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ هو الكرّ بعد الفرّ، يخيل عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها أَوْ مُتَحَيِّزاً أو منحازاً إِلى فِئَةٍ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها. وعن ابن عمر رضى الله عنه: خرجت سرية وأنا فيهم ففرّوا «٣» فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرّارون، فقال: بل أنتم العكارون «٤» وأنا فئتكم. وانهزم رجل من القادسية، فأتى المدينة إلى عمر رضى الله عنه فقال:
يا أمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال عمر رضى الله عنه: أنا فئتك «٥». وعن ابن عباس رضى الله عنه: إنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر. فإن قلت: بم انتصب إِلَّا مُتَحَرِّفاً؟
قلت: على الحال، وإلا لغو. أو على الاستثناء من المولين، أى: ومن يولهم إلا رجلا منهم متحرّفا أو متحيزاً، وقرأ الحسن دُبُرَهُ بالسكون ووزن متحيز متفيعل لا متفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوّز.
[سورة الأنفال (٨) : آية ١٧]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)
لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت

(١). قوله «الجيش الدهم» هو العدد الكثير، والدهمة: السواد، كذا في الصحاح. (ع)
(٢). قوله و «تقدمة نهى لهم» لعله عطف على المعنى، أى: إشعاراً وتقدمة نهى. (ع)
(٣). أخرجه أبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد من رواية يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عمر رضى الله عنهما. وكذا أخرجه أحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والبزار في مسانيدهم. قال الترمذي: لا نعرفه إلا من رواية يزيد بن أبى زياد. [.....]
(٤). قوله «بل أنتم العكارون» من عكر إذا عطف وكر. أفاده الصحاح. (ع)
(٥). أخرجه ابن أبى شيبة من رواية منصور عن إبراهيم. قال: فر رجل فذكره.

صفحة رقم 206

وأسرت، ولما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه قريش قد جاءت «١» بخيلائها وفخرها يكذبون رسلك، اللهم إنى أسألك ما وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال- لما التقى الجمعان- لعلى رضى الله عنه: أعطنى قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم «٢»، فقيل لهم فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع وَما رَمَيْتَ أنت يا محمد إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى يعنى أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله عزّ وجلّ، فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول عليه الصلاة والسلام أصلا. وقرئ: ولكن الله

(١). قال محمود: «ولما جاءت قريش قال عليه الصلاة والسلام: هذه قريش جاءت... الخ» قال أحمد رحمه الله:
أوضح مصداق في التمييز بين الحقيقة والمجاز. ألا تراك تقول للبليد: ليس بحمار، ويصدق عليه مع صدق قولك فيه على سبيل التجوز إنه حمار، فإذا ثبت لك أن من مميزات المجاز صدق سلبه بخلاف الحقيقة، فافهم أن هذه الآية تكفح وجوه القدرية بالرد، وذلك أن الله تعالى أثبت الفعل للخلق ونفاه عنهم، ولا محمل لذلك إلا أن ثبوته لهم مجاز، والفاعل والخالق حقيقة هو الله تعالى، فأثبته لهم مجازاً، ونفاه عنهم حقيقة. وإياك أن تعرج على تنكيس الزمخشري في تأويل الآية، فانه نظر أعوج، وباطل مخلج، والحق أبلج، والله الموفق بكرمه.
(٢). قال الطيبي: لم يذكر أحد من أئمة الحديث أن هذه الرمية كانت ببدر، ثم حديث سلمة بن الأكوع.
قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا فذكر القصة، وهو تعقيب غير مرضى فقد روى الواقدي في المغازي عن ابن أبى الزهري عن الزهري عن عروة بن الزبير قال «لما رأى رسول الله ﷺ قريشا فذكر نحوه إلى قوله: ما وعدتني» وروى الطبري من وجه آخر عن هشام بن عروة عن عروة قال «لما ورد رسول الله ﷺ بدرا قال: فزعموا أنه قال، هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك، اللهم إنى أسألك ما وعدتني. فلما أقبلوا استقتلوا فحثا في وجوههم فهزمهم الله تعالى» وروى الطبري من رواية على بن أبى طلحة قال «رفع رسول الله ﷺ يده يوم بدر «فقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن نعبد في الأرض أبدا. فأمره جبريل فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم. فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخره وفمه تراب. فولوا مدبرين» وعنده أيضا من طريق أسباط عن السدى «أن رسول الله ﷺ قال لعلى يوم بدر: أعطنى حصباء من الأرض. فناوله حصا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه من ذلك التراب، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم. وأنزل الله فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ- الآية. وروى الواقدي في المغازي أيضاً من طريق حكيم بن حزام في قصة بدر قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه. فما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعيناه فانهزم أعداء الله، والمسلمون يقتلون ويأسرون. وأخرجه الطبري من وجه آخر عن حكيم بن حزام نحوه دون ما في آخره.

صفحة رقم 207

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية