روى ابن إسحاق وأحمد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير بالمهملتين العذري وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعضهم، قال : أبو جهل اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغذاة اللهم من كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره فكان هو المستفتح على نفسه فأنزل الله تعالى : إن تستفتحوا أي تستنصروا لأحب الناس وأرضاهم عند الله فقد جاءكم الفتح الذي طلبتم فقتل أبو جهل يوم بدر. وروى فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانها فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزي أحدهما سرا من صاحبه فقال : أي عم هل تعرف أبا جهل ؟ قلت : نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي ؟ قال : أخبرت أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منهما قال : وغمزني الآخر من صاحبه فقال : مثلها فعجبت لذلك فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس وهو يرتجز.
شعر :
| ما تنقم الحرب العوان مني | بأزل عامين حديث سني |
وروى ابن إسحاق عن معاذ عن عمرو بن الجموع، قال : لما فزع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة أمر بأبي جهل بن هشام ان يلتمس في القتلى وقال : اللهم لا يعجزنك، قال : فلما سمعتها جعلته من سابق فصمدت نحوه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه قال : وضربني ابن عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلسة من جنب وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي هذا وإني لا أصحابها خلفي فلما آذتني وضعت قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها، قال : ابن إسحاق وعاش بعد ذلك إلى زمن عثمان، قال : القاضي زاد بن وهب في روايته فجاء معاذ يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلصقت كذا نقل عن القاضي في " العيون "، وفي الشفاء قطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصقها فلصقت رواه ابن وهب قال : إسحاق ثم مر بأبي جهل وهو عفير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل ثم مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل، قال : ابن مسعود وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه ثم قلت هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : وبماذا أخزاني ؟ هل اعمد من رجل قتلتموه أخبرني بمن الدابرة ؟ قلت : لله ولرسوله. وروي عن ابن مسعود انه قال : قال : لي أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقا صعبا ثم أخررت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل فقال : الله الذي لا إله غيره، قلت : ونعم والذي لا إله غيره ثم ألقيت بين يدي رسول اله صلى الله عليه وسلم فحمد الله "، وفي رواية : خر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا وفي رواية صلى ركعتين. وروى ابن عابد عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل قاتله الله قتله ابنا عفراء أو قتله الملائكة و تدافه ابن مسعود " يعني أجهز عليه وأسرع قتله وقال عكرمة قال : المشركون والله ما نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فأنزل الله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح أي غن تستقضوا فقد جاءكم القضاء، وقال السدي والكلبي : كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم اخذوا بأستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت فعلى هذه الروايات الخطاب لكفار مكة، وقال أبي ابن كعب هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الله تعالى للمسلمين إن تستفتحوا أي إن تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر والظفر.
روى البغوي بسنده عن قيس بن حباب، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا : ألا تدعوا الله لنا ألا تستنصر لنا فجلس محمارا لكونه أو وجهه فقال : لنا :" لقد كان من قبلكم يأخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعا إلى حضر موت لا يخشى إلا الله ولكنكم تعجلون " ٣ وان تنتهوا أيها الكفار عن الكفر بالله والقتال مع نبيه صلى الله عليه وسلم فهو خير لكم فإن فيه صلاح الدارين لكم وان تعدوا الحرب ومعاداته نعد بمثل الواقعة التي وقعت بكم يوم بدر ولن تغني أي لن يدفع عنكم فئتكم أي جماعتكم شيئا من الإغناء أو شيئا من المضار ولو كثرت فئتكم وان الله مع المؤمنين قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح الهمزة وحينئذ عطف على محذوف يعني لن تغني عنكم شيئا لأجل شؤم كفركم ولان الله مع المؤمنين وقيل : هو عطف على قوله ذلكم وان الله موهن كيد الكافرين وان الله مع المؤمنين.
وقرا الباقون بالكسر على الاستئناف والعطف على لن تغني وان كان قوله تعالى ان تستفتحوا خطابا للمسلمين فالمعنى ان تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر وان تنتهوا عن التكاسل في القتال والمجادلة في الحق والرغبة عما يستأثره الرسول فهو خير لكم وان تعودوا بعد بالإنكار وتهيج العدو ولن تغني حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر فان الله مع المؤمنين الكاملين ويناسبه قوله تعالى :
يأيها الذين امنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وانتم تسمعون
٢ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: في قتل أبي جهل (٣٩٦٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: قتل أبي جهل (١٨٠٠)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦١٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في الأسيرة يكره على الكفر (٢٦٤٧)..
التفسير المظهري
المظهري