يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون٢٤ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب٢٥ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون [ الأنفال : ٢٤ ٢٦ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم التولي حين الجهاد، أردفه الأمر بالاستجابة له إذا دعاهم لهدى الدين وأحكامه عامة، لما في ذلك من تكميل الفطرة الإنسانية وسعادتها في الدنيا والآخرة، وكرر النداء بلفظ المؤمنين تنشيطا لهم إلى الإصغاء لما يرد بعده من الأوامر والنواهي، وإيماء إلى أنهم قد حصلوا ما يوجب عليهم الاستجابة وهو الإيمان.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم أي إن الرسول دعاكم بأمر ربكم لما فيه حياتكم الروحية : من علم بسننه في خلقه ومن حكمة وفضيلة ترفع نفس الإنسان وترقى بها إلى مراتب الكمال حتى تحظى بالقرب من ربها وتنال رضوانه في الدار الآخرة فأجيبوا دعوته بقوة وعزم. كما قال في آية أخرى : خذوا ما آتيناكم بقوة [ البقرة : ٦٣ ] وطاعته صلى الله عليه وسلم واجبة في حياته، وبعد مماته فيما علم أنه دعا إليه دعوة من أمور الدين الذي بعثه الله به كبيانه لصفة الصلاة وعددها قولا أو فعلا ؛ فقد صلى بأصحابه وقال :( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وقال :( خذوا عني مناسككم ) وبيانه لمقادير الزكاة وغيرها من السنن العملية المتواترة وأقواله كذلك، فكل من ثبت لديه شيء منها ببحثه أو بحث العلماء الذين يثق بهم وجب عليه الاهتداء بهم.
أما الإرشادات النبوية في أمور العادات كاللباس والطعام والشراب والنوم، فلم يعدها أحد من الأئمة دينا يجب الافتداء به فيه.
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون نبهنا الله في هذه الآية لأمرين لهما خطرهما في سعادة الإنسان الأخروية، وهما :
( ١ ) أنه قد جرت سنة الله في البشر أن يحول بين المرء وقلبه، وهو مركز الإحساس والوجدان والإدراك الذي له السلطان على الإرادة والعمل، أي إنه تعالى يميت القلب فتفوت الفرصة التي هو واجدها من التمكن من معالجة أدوائه وعلله، ورده سليما كما يريده الله، وهذا أخوف ما يخافه المتقي على نفسه إذا غفل عنها وفرّط في جنب الله، وكذلك هو أرجى شيء يرجوه المسرف إذا لم ييأس من روح الله، فإنا لنشاهد أن كثيرا من الناس يسيرون على الهدى ويتقون الطرق التي تصل بهم إلى مهاوي الهلاك والردى فإذا بقلوبهم قد تقلبت بعواصف تميل بهم عن الصراط المستقيم كشبهة تزعزع الاعتقاد أو شهوة يغلب بها الغي الرشاد فيطيعون أهواءهم ويسيرون وراء وساوس الشيطان.
وفي ذلك إيماء إلى أن الطائع المجد لا يأمن مكر الله فيغتر بطاعته ويعجب بنفسه، والعاصي المنصرف عن الطاعة لا ييأس من روح الله فيسترسل في إتباع هواه، حتى تحيط به خطاياه ومن لم يأمن عقاب الله ولا ييأس من روح الله كان جديرا بأن يراقب قلبه، ويحاسب نفسه على خواطره ويعاقب نفسه على هفواته، لتظل على الصراط المستقيم.
والخلاصة : إن من سننه تعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله تضعف إرادته في مقاومته فلا تؤثر فيه المواعظ القولية ولا العبر المبصرة ولا المعقولة.
روى البخاري وأصحاب السنن قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ومقلب القلوب ).
( ٢ ) أن نتذكر حشرنا إليه ومحاسبته إيانا على أعمالنا القلبية والبدنية، ومجازاته إيانا بالعذاب أو النعيم، فلا نألو جهدا في انتهاز الفرصة لنعمل صالح الأعمال.
وبعد أن أمرنا سبحانه بتلك الأوامر ونهانا عن النواهي التي تخص أعمال الإنسان الاختيارية، أمرنا أن نتقي الفتن الاجتماعية التي لا تخص الظالمين، بل تتعداهم إلى غيرهم، وتصل إلى الصالح والطالح فقال : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم التولي حين الجهاد، أردفه الأمر بالاستجابة له إذا دعاهم لهدى الدين وأحكامه عامة، لما في ذلك من تكميل الفطرة الإنسانية وسعادتها في الدنيا والآخرة، وكرر النداء بلفظ المؤمنين تنشيطا لهم إلى الإصغاء لما يرد بعده من الأوامر والنواهي، وإيماء إلى أنهم قد حصلوا ما يوجب عليهم الاستجابة وهو الإيمان.
تفسير المراغي
المراغي