يسمعوا سماع المصدقين. أي ولكن لم يعلم الله فيهم شيئا من ذلك، لخلوّهم عنه بالمرة، فلم يسمعهم كذلك، لخلوه عن الفائدة وخروجه عن الحكمة، وإليه أشير بقوله تعالى وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا أي: ولو أسمعهم سماع تفهم، وهم على هذه الحالة العارية عن الخير بالكلية، لتولوا عما سمعوه من الحق وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي عن قبوله جحودا وعنادا. قال الرازي: كل ما كان حاصلا فإنه يجب أن يعلمه الله، فعدم علم الله بوجوده، من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده.
تنبيه:
قد يتوهم أن الشرطيتين في الآية مقدمتا قياس اقتراني. هكذا: لو علم فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا. ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا. وفساده بيّن.
وأجيب: بأنه إنما يلزم النتيجة الفاسدة لو كانت الثانية كلية، وهو ممنوع. واعترض بأن هذا المنع، وإن صح في قانون النظر، إلا أنه خطأ في تفسير الآية، لابتنائه على أن المذكور قياس مفقود شرائط الإنتاج، ولا مساغ لحمل كلام الله عليه. وأجيب: بأن المراد منع كون القصد إلى ترتيب قياس، لانتفاء شرط، لا أنه قياس فقد شرطه. كما أنه يمنع منه عدم تكرار الوسط أيضا، وإنما المقصود من المقدمة الثانية تأكيد الأولى، إذ مآله إلى أنه انتفى الإسماع، لعدم الخيرية فيهم، ولو وقع الإسماع، لا تحصل الخيرية فيهم، لعدم قابلية المحل. كذا في (العناية). وقد حاول بعضهم تصحيح كونها قياسا شرطيّا، متحد الوسط، صحيح الإنتاج، بتقدير: لو علم فيهم خيرا في وقت، لتولوا بعده.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ الاستجابة:
بمعنى الإجابة. قال:
| وداع دعا يا من يجيب إلى النّدا | فلم يستجبه عند ذاك مجيب |
| لا تعجبنّ الجهول حلّته | فذاك ميت، وثوبه كفن |
| أفاضل الناس أغراض لذا الزمن | يخلوا من الهمّ أخلاهم من الفطن |
| لا تعجبنّ مضيما حسن بزّته | وهل تروق دفينا جودة الكفن |
تنبيه:
استدل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه الآية على وجوب إجابته إذا نادى أحدا وهو في الصلاة.
روى البخاري «١» عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله عنه قال: كنت أصلي، فمرّ بي
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا.. الآية.
وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحتمل وجوها من المعاني.
أحدهما: أنه تعالى يملك على المرء قلبه فيصرفه كيف يشاء، فيحول بينه وبين الكفر، إن أراد هدايته، وبينه وبين الإيمان، إن أراد ضلالته، وهذا المعنى رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس، وصححه، وقاله غير واحد من السلف. ويؤيده ما
روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك.
فقيل: يا رسول الله! آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى، يقلبها- رواه الإمام أحمد «١»
والترمذي «٢» عن أنس ولفظ مسلم «٣» : إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها كيف شاء ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهم! مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك- انفرد مسلم عن البخاري بإخراجه عن عبد الله بن عمرو-
وفي رواية: إن قلب الآدميّ بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه- رواه الإمام أحمد «٤» عن عائشة-
. وروي أيضا مثله عن جابر وبلال والنوّاس «٥» بن سمعان وأم سلمة، كما ساقه ابن كثير. وعلى هذا المعنى، فالآية استعارة تمثيلية، لتمكنه من قلوب العباد، فيصرفها كيف يشاء، بما لا يقدر عليه صاحبها. شبه بمن حال بين شخص ومتاعه، فإنه يقدر على التصرف فيه دونه.
ثانيها: أنه حث على المبادرة إلى الطاعة، قبل حلول المنية، فمعنى (يحول بينه وبين قلبه) يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهو التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليما، كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوها لطاعة الله ورسوله. فشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه، الذي به يعقل، في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه.
(٢) أخرجه الترمذي في: القدر، ٧- باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن.
(٣) أخرجه مسلم في: القدر، حديث رقم ١٧.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/ ٢٦١.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١٨٢.
محاسن التأويل
محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
محمد باسل عيون السود