(... )١/ لأن الأمر كله بيد الله ؛ ولأجل فهم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا كان يكثر في دعائه :( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ).
اعلموا كلا أيها الناس أن قلوبكم بيد خالقكم ( جل وعلا ) يصرفها كيف شاء، يوفق من شاء، ويضل من شاء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [ هود : الآية ٨٨ ] وعلينا معاشر المسلمين أن نتفهم في هذه الآية، وأن نبتهل ونتضرع إلى ربنا أن يثبتنا، وأن لا يزيغنا، وأن لا يحول قلوبنا إلا لما يرضيه ( جل وعلا ) ؛ لأن هذه الآية يخافها العاقل جدا، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كل إنسان قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن ( جل وعلا ) يصرفه كيف يشاء. فيا مقلب القلوب، مثبت من شاء، ومضل من شاء، وهادي من شاء، ومضل من شاء ؛ [ ثبت قلوبنا على دينك ]٢ ولذا أثنى ( جل وعلا ) على عباده الراسخين في العلم بأنهم يقولون : آمنا به كل [ آل عمران : الآية ٧ ] إلى أن قال عنهم : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة [ آل عمران : الآية ٨ ].
ومعنى : يحول بين المرء وقلبه [ الأنفال : الآية ٢٤ ] إنما عبر بالقلب لأن القلب محل العقل الذي به الإدراك، لا كما يقوله الملاحدة : إن محله الدماغ. يحول بينه وبين قلبه فيصرف قلبه حيث شاء، وكيف شاء، يصرفه من هدى إلى ضلالة، ومن ضلالة إلى هدى، قال بعض العلماء : وكذلك يصرف من أمن إلى خوف، ومن خوف إلى أمن، كما نقل قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الخوف إلى الأمن، وقلوب الكفرة من الأمن إلى الرعب والخوف الذي ألقاه في قلوبهم، والأول هو الصحيح في معنى الآية ؛ لأن هذه الآية تدل على أن الأمور كلها بيد الله، وأنه يصرف القلوب كيف شاء، فيهدي من يشاء هداه، ويضل من يريد إضلاله.
وما يزعمه المعتزلة من أن الله لا يريد الشر، وأن العبد يخلق معاصيه باستقلال مشيئة العبد وقدرته مذهب لا يخفى سوقه على عاقل، فإن خالق السموات والأرض لا يكون في ملكه شيء إلا بمشيئته وقدرته جل وعلا.
وأنه إليه تحشرون [ الأنفال : الآية ٢٤ ] وأنه أي : الله إليه تحشرون وحده. الحشر في لغة العرب معناه : الجمع. تقول : حشر الإمام العلماء أي : جمعهم، وحشر الناس أي : جمعهم. ومنه قوله : وأرسل في المدائن حاشرين [ الأعراف : الآية ١١١ ]. أي : جامعين يجمعون لك السحرة. فالحشر في لغة العرب : الجمع. والناس كلهم يجمعون يوم القيامة إلى رب السماوات والأرض كما قال : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [ الكهف : الآية ٤٧ ] وقد بين في سورة الأنعام أنه يحشر جميع الدواب والطير وجميع ذلك كله، يحشرهم ويجمعهم يوم القيامة، كما تقدم في قوله : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ٣٨ [ الأنعام : الآية ٣٨ ] فكما أنه يحشر الناس كذلك يحشر الدواب والطير وغير ذلك. وهذا معنى قوله : وأنه إليه تحشرون .
٢ ما بين المعقوفين [ ] زيادة يقاضيها السياق.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير