ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٢٤ ) :
وهنا نقل المسألة من سماع إلى استجابة، لأن مهمة السماع أن تستجيب.
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، أي استجيبوا لله تعالى تشريعا، وللرسول صلى الله عليه وسلم بلاغا، وغاية التشريع والبلاغ واحدة، فلا بلاغ عن الرسول إلا بتشريع من الله عز وجل، بل وللرسول صلى الله عليه وسلم تفويض بأن يشرع. ورسول الله لم يشرع من نفسه، وإنما شرع بواسطة حكم من الله تعالى حيث يقول :
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( من الآية ٧ سورة الحشر ).
وأضرب هذا المثل – ولله المثل الأعلى - : نسمع أن فلانا قد فُصل لأنه غاب خمسة عشر يوما عن عمله في وظيفته، ويعود المحامي إلى الدستور الذي تتبعه البلد فلا يجد في مواد الدستور هذه الحكاية، ويسمع من المحامي الأكثر خبرة أن هذا القانون مأخوذ من تفويض الدستور للهيئة التي تنظم العمل والعاملين.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفوض من ربه بالبلاغ والتشريع.
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال )، وتجد ها أيضا أن الحق تبارك وتعالى قال :" إذا دعاكم " ولم يقل : إذا دعَوَاكُمْ، وفي ذلك توحيد للغاية، فلم يفصل بين حكم الله التشريعي وبلاغ الرسول لنا. ونعلم أن الأشياء التي حكم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم حكما ثم عدّل الله له فيها الحكم، هذا التعديل نشأ من الله، وهو صلى الله عليه وسلم لم ينشئ حكما عدّله الله تعالى إلا فيما لم يُنزل الله فيه حكما.
وحين ينزل الله حكما مخالفا لحكم وضعه الرسول، فمن عظمته صلى الله عليه وسلم أنه أبلغنا هذا التعديل، وهكذا جاءت أحكامه صلى الله عليه وسلم إذا وافقت حقا فلا تعديل لها، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو صلى الله عليه وسلم يعدل لنا. وبذلك تنتهي كل الأحكام إلى الله تعالى. فإذا قال قائل : كيف تقول إن قول الرسول يكون من قول الله ؟ نجيب : إنه سبحانه القائل :
وما ينطق عن الهوى( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى( ٤ ) ( سورة النجم ).
و " الهوى " – كما نعلم - أن تعلم حكما ثم تميل عن الحكم إلى مقابله لتخدم هوىً في نفسك، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما عمد إلى أي حكم شرعه ولم يكن عنده حكم من الله عز وجل، فإن جاء تعديل أبلغنا. إذن ما ينطق عن الهوى. أي من كل ما لم ينزله الله، وحكم فيه صلى الله عليه وسلم ببشريته، ولم يكن له هوى يخدم أي حكم، ونجد في قول الله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال )، أنَّ كلمة " دعاكم " مفردة، مثلها مثل كلمة " يرضوه " في قوله لكم :
والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ( من الآية٦٢ سورة التوبة ).
ومثله مثل الضمير في " عنه " في قوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ( من الآية ٢٠من سورة الأنفال ).
وفي هذه الآيات الكريمة توحيد للضمير بعد المثنى، وهذا التوحيد كان مثار شبهة عند المستشرقين، فقالوا : كيف يخاطب اثنين ثم يوحدهما ؟ ونقول لمن يقول ذلك : لأنك استقبلت القرآن بغير ملكة العربية. قلم تفهم، ولو وجد الكفار في أسلوب القرآن ما يخالف اللغة لما سكتوا، فهم المعاندون ولو كانوا جربوا في القرآن كلمة واحدة مخالفة لأعلنوا هذه المخالفة. وعدم إعلان الكفار عن هذه الشبهات التي يثيرها الأعداء، يدل على أنهم فهموا مرمى ومعنى كل ما جاء بالقرآن، وهم فهموا – على سبيل المثال - الآية التي يكرر المستشرقون الحديث عنها ليشككوا الناس في القرآن الكريم، وهي قول الحق تبارك وتعالى :
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( ٩ ) ( سورة الحجرات ).
وتساءل المستشرقون – مستنكرين - : كيف يتحدث القرآن عن طائفتين، ثم يأتي الفعل الصادر منهما بصيغة الجمع ؟. ونقول : إن " طائفتان " هي مثنى طائفة، والطائفة لا تطلق على الفرد، إنما تطلق على جماعة، مثلما نقول : المدرستان اجتمعوا، وصحيح أن المَدرسة مفرد. لكن كل مدرسة بها تلاميذ كثيرون، وكذلك " طائفتان "، معناها أن كل طائفة مكونة من أفراد، وحين يحدث القتال فهو قتال بين جمع وجمع ؛ لذلك كان القرآن الكريم دقيقا حين قال : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، ولم يقل القرآن الكريم : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا ؛ لأن هذا القول لا يعبر بدقة عن موقف الاقتتال لأنهم كطائفتين، إن انتهوا فيما بينهم إلى القتال. فساعة القتال لا يتحيز كل فرد لفرد ليقاتله، وإنما كل فرد يقاتل في كل أفراد الطائفة الأخرى، وهكذا يكون القتال بين جمع كبير من الطائفتين.
وبعد ذلك يواصل الحق تبارك وتعالى تصوير الموقف من الاقتتال بدقة فيقول سبحانه :
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ( من الآية ٩ سورة الحجرات ).
وهنا يقول سبحانه وتعالى : " فأصلحوا بينهما "، ولم يقل : أصلحوا بينهم. وهكذا عدل عن الجمع الذي جاء في الاقتتال إلى المثنى ؛ لأننا في الصلح إنما نصلح بين فئتين متحاربتين، ونحن لا نأتي بكل فرد من الطائفة لنصلحه مع أفراد الطائفة الأخرى. ويمثل كل طائفة رؤساؤها أو وفد منها، وهكذا استخدم الحق المثنى في مجاله، واستخدم الجمع في مجاله، وسبحانه وتعالى منزه عن الخطأ.
وهنا في الآية التي مازلنا بصدد خواطرنا عنها وفيها يقول المولى سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال )، وفي أولها نداء من الله للمؤمنين، والنداء يقتضي أولا أن يكون المنادى حيا ؛ لأنه سبحانه وتعالى القائل :
وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمع من في القبور( ٢٢ ) ( سورة فاطر ).
إذن : كيف يقول سبحانه لمن يخاطبهم وهم أحياء : " دعاكم لم يحييكم " ؟.
وهنا نقول : ما هي الحياة أولا ؟ نحن نعلم أن الحياة تأخذ مظهرين، مظهر الحس ومظهر الحركة، ولا يتأتى ذلك إلا بعد أن توجد الروح في المادة فتتكون الحياة، وهذه مسألة يتساوى فيها المؤمن والكافر. وثمرة الحياة أن يسعد فيها الإنسان، لا أن يحيا في حرب وكراهية وتنغيص الآخرين له وتنغيصه للآخرين، والحياة الحقيقية أن يوجد الحس والحركة، شرط أن تكون حركة كل إنسان تسعده وتسعد من حوله، وبذلك تتآزر الطاقات في زيادة الإصلاح في الأمور النافعة والمفيدة، أما إذا تبددت الطاقات الناتجة من الحس والحركة وضاعت الحياة في معاندة البعض للبعض الآخر، فهذه حياة التعب والمشقة، حياة ليس فيها خير ولا راحة. وهذا ما يخالف ما أراده الحق سبحانه وتعالى للخلق، فقد جعل الله عز وجل الإنسان خليفة له في الأرض ليصلح لا ليفسد، وليزيد الصالح صلاحا، ولا تتعاند حركة الفرد مع غيره، لأن كل إنسان هو خليفة لله، ومادمنا كلنا خلفاء لله تعالى في الأرض. فلماذا لا نجعل حركاتنا في الحياة متساندة غير متعاندة ؟
وعلى سبيل المثال : إن أراد إنسان أن يخدم نفسه ومن حوله بحفر بئر، هنا يجب أن يتعاون معه جميع من سوف يستفيدون من البئر، فمجموعة تحفر، ومجموعة تحمل التراب بعيدا، ليخرج الماء ويستفيد منه الجميع، لكن أن يتسلل إنسان ليردم البئر، فهذا يجعل حركة الحياة متعاندة لا متساندة.
وقد نزل المنهج من الله عز وجل ليجعل حركة المياه متساندة ؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال ).
والنداء هنا من الله للمؤمنين فقط، فإذا قال الله : يأيها الذين آمنوا استجيبوا لما آمنتم به، فهو لم يطلب أن تستجيب لمن لم تؤمن به، بل يطلب منك الاستجابة إذا كنت قد دخلت في حظيرة الإيمان بالله، واهتديت إلى ذلك بعقلك، وبالأدلة الكونية واقتنعت بذلك، وصرت تؤمن أنه إذا طلب منك شيئا فهو لا يطلب منك عبثا، بل طلب منك لأنك آمنت به تعالى إلها، وربا، وخالقا، ورازقا، وحكيما، وعادلا.
حين يأمرك من له هذه الصفات، فمن الواجب عليك أن تستجيب لما يدعوك إليه. ولله المثل الأعلى ؛ نجد في حياتنا الأب والأم يراعيان المصالح القريبة للغلام، ويأمره الأب قائلا : اسمع الكلام لأني والدك الذي يتعب من أجل أن تنعم أنت. وتضيف الأم قائلة له : اسمع كلام والدك، فليس غريبا عنك، بل لك به صلة وهو ليس عدوا لك، وتجربته معك أنه نافع لك ويحب الخير لك، هنا يستجيب الابن. وكلنا عيال لله، فإذا ما قال الله : يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول المبلغ عن الله لأنه سيدعوكم لما يحييكم فعلينا أن نستجيب للدعوة.
الداعي – إذن- هو الله تعالى وقد سبقت نعمته عليك قبل أن يكلفك، وهو سبحانه قد أرسل رسولا مؤيدا بمعجزة لا يستطيع واحد أن يأتي بها، ويدعو كل إنسان إلى ما فيه الخير، ولا يمنع الإنسان من الاستجابة لهذا الدعاء إلا أن يكون غبيا.
ونلحظ في حياتنا اليومية أن الإنسان المريض، المصاب في أعز وأثمن شيء عنده وهو عافيته وصحته، وهو يحاول التماس الشفاء من هذا المرض ويسأل عن الطبيب المتخصص فيما يشكو منه، وهناك لكل جزء من الجسم طبيب متخصص، فإذا كان له علم بالأطباء فهو يذهب إلى الطبيب المعين، وإن لم يكن له علم فهو يسأل إلى أن يعرف الطبيب المناسب، وبذلك يكون قد أدى مهمة العقل في الوصول إلى من يأمنه على صحته. فإذا ما ذهب إلى الطبيب وشخص له الداء والدواء، في هذه اللحظة لن يقول المريض : أنا لا أشرب الدواء إلا إن أقنعتني بحكمته وفائدته وماذا سيفعل في جسمي ؛ لأن الطبيب قد يقول للمريض : إن أردت أن تعرف حكمة هذا الدواء اذهب إلى كلية الطب لتتعلم مثلما تعلمت. وطبعا لن يفعل مريض ذلك ؛ لأن المسألة متعلقة بعافيته، وهو سيذهب إلى الصيدلية ويشتري الدواء ويسأل عن كيفية تناوله، والمريض حين يفعل ذلك إنما يفعله لصالحه لا لصالح الطبيب أو الصيدلي.
والرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعونا لما يحيينا به، إنما يفعل ذلك لأن الله تعالى أوكل له البلاغ بالمنهج الذي يصلح حالنا، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة، بعد أن تأتي الروح في المادة، يواجه الإنسان ظروف الحياة من بعد ذلك إلى الممات. وهذه حياة للمؤمن والكافر، وقد يكون في الحياة منغصات وتمتلئ بالحركات المتعاندة، وقد يمتلئ البيت الواحد بالخلافات بين الأولاد وبين الجيران، ويقول الإنسان : هذه

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير