ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

قوله : ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ .
أي : ذلك الضرب الذي وقع بكم، أو عذاب الحريق : بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم السلام -.
قال الواحديُّ :" يجوز أن يقال " ذلك " مبتدأ، وخبره بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ويجوز أن يكون خبره محذوفاً، والتقدير : ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، ويجوزُ أن يكون محل " ذلك " نَصْباً والتقدير : فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم ".

فصل


فإن قيل : قوله ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ يقتضي أنَّ فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع لوجوه، أولها : أنَّ هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها : أن اليد ليست محلاًّ للمعرفة والعلم، فلا يتوجَّه التكليف عليها، فلا يمكن إيصال العذاب إليها.
فالجوابُ : أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل، والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة.
واعْلَمْ أن الإنسان جوهر واحد، وهو الفعال، وهو الدراك، وهو المؤمن، وهو الكافر وهو المطيعُ، وهو العاصي، وهذه الأعضاء آلات لهُ، وأدوات له في الفعل ؛ فأضيف الفعل في الظَّاهر إلى الآله، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذاتِ الإنسان.
فإن قيل : إنَّه جعل هذا العقاب، إنَّما تولَّد من الفعل الذي صدر عنه، والعقاب إنما يتولَّد من العقائد الباطلة.
فالجوابُ : أنَّا بيَّنا أنَّ الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد، فأطلق على المسبب اسم السَّببِ وهذا من أشهر وجوه المجاز.
قوله : وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ .
في محل " أنَّ " وجهان :
أحدهما : النصبُ بنزع الخافض يعني : بأنَّ اللَّهَ.
والثاني : أنَّكَ إن جعلت قوله :" ذلك " في موضع رفع، جعلت " أنَّ " في موضع رفع أيضاً، أي : وذلك أنَّ الله.
قال الكسائيُّ :" ولو كسرت ألف " أنَّ " على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عمَّا قبله ".

فصل


قالت المعتزلةُ١ : لو كان اللَّه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى : ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ يدلُّ على أنه تعالى إنَّما لم يكن ظالماً بهذا العذاب ؛ لأنَ العبد قدَّم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدلُّ على أنَّهُ لو لم يصدر منه تعالى ذلك التقديم لكان ظالماً في هذا العذاب، وأيضاً : لو كان موجد الكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وهذه المسألة قد سبق ذكرها مُسْتَقْصَاةً في آل عمران.
١ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٥/١٤٣..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية