ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

قال بعض العلماء : هذا مما يقول لهم الملائكة عند توفيقهم إياهم وضربهم وجوههم وأدبارهم، يقولون لهم : ذوقوا عذاب الحريق. ويقولون لهم : ذلك العذاب الفظيع الشديد بسبب ما قدمت أيديكم.
وقال بعض العلماء : هو كلام مؤتنف، أي : ذلك العذاب الكائن الواقع لكم بسبب ما قدمت أيديكم. جرت العادة في لسان العرب الذي نزل به القرآن أن يضاف جميع الأعمال إلى الأيدي وإن كان بعضها ليس بأيدي، فإن الشرك الذي يعذبون عليه محله القلب واللسان واليد، والزنى محله الفرج، وأكل الربا محله البطن، ولكن كل هذا ينسب إلى الأيدي على الأسلوب العربي المعروف، لأن أكثر ما يزاول الإنسان أعماله بيده فنسب إليه على التغليب ومراعاة الأغلب ١.
والمراد بما قدمت أيديكم ما كسبتم من المعاصي والكفر، سواء كان الذي اجترمته القلوب، أو الألسنة، أو الأيدي، أو غير ذلك. وهذا معنى قوله : ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلم للعبيد ( ٥١ ) [ الأنفال : الآية ٥١ ].
قال بعض العلماء : المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في قوله : وأن الله ليس بظلام للعبيد في محل خفض معطوف على الموصول المجرور ( بما ) أي : ذلك بسبب الذي قدمته أيديكم، وبسبب أن الله لا يظلم، فبكفركم وبعدالة ربكم وكمال إنصافه جاءكم العذاب، لأن بهذين السببين يتوجه إليكم العذاب، كونكم اقترفتموه واكتسبتموه بأيديكم، وكون ربكم ( جل وعلا ) حكما عدلا منصفا، فتعذيبه ومؤاخذته للعاصي، كما أنه يثيب المطيع، فظلمكم وعداوة ربكم كل ذلك اقتضى لكم ما وقع لكم من العذاب والعياذ بالله جل وعلا وأن الله جل وعلا ليس بظلام للعبيد فيه في هذه الآية الكريمة والآيات المماثلة لها من القرآن إشكال عربي معروف يدور فيه سؤال مشهور على ألسنة العلماء وطلبة العلم، وهو أن يقال : الله ( جل وعلا ) في هذه الآية الكريمة نفى المبالغة، لأنه قال : ليس بظلام و ( ظلام ) ( فعال ) و ( الفعال ) صيغة مبالغة، والمقرر في اللغة العربية التي بها نزل القرآن أن نفي المبالغة لا يقتضي نفي أصل الفعل من حيث هو ٢، فلو قلت : زيد ليس بقتال للرجال، نفيت عنه المبالغة في القتل، ولا ينافى أنه ربما قتل رجلا أو رجلين، ولو قلت : زيد – مثلا – ليس بضراب لنسائه. يدل على انتفاء كثرة الضرب عنه، ولا ينافي أنه ربما وقع منه ضرب قليل كما هو معروف، فنفي المبالغة هنا لا يقتضي نفي أصل الفعل من حيث هو، والمقام مقام تنزيه، ونفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى، فلم عبر هنا بصيغة المبالغة ولم يقل : ليس بظالم. أو ليس بذي ظلم للعبيد ؟ !
أجاب العلماء على ذا بأجوبة ٣ : قالوا جرت العادة في القرآن أن بعض الآيات قد يكون فيها شبه إجمال وتبينه آيات أخر، وقد أوضحت آيات أخر أن الله لا يظلم شيئا، كقوله : إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : الآية ٤٠ ] إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ( ٤٤ ) [ يونس : الآية ٤٤ ] فالآيات الواضحات بينت هذا وأوضحته غاية الإيضاح.
وقال بعض العلماء : المبالغة هنا لا يقصد بها أصل المبالغة، لأن التكثير نظرا إلى كثرة العبيد، لأن الظلم لما تعلق بالعبيد وكان العبيد في كثرة هائلة كان الظلم كثيرا جدا لكثرة من هو منفي عنهم، ولذا كان نفيه نفيه من أصله، لأن الكثرة فيه والمبالغة بحسب العبيد اللذين يقع عليهم الظلم.
وقال بعض العلماء :- وهي نكتة حسنة – أن هذا العذاب الذي يعذبهم الله به هو عذاب فظيع هائل لا يقادر قدره ولا يماثل مثله فلو وقع منه ظلما لكان مبالغا في غاية الظلم مبالغة عظيمة، فنفي المبالغة بهذا الاعتبار، ومعناها نفي الفعل من أصله. وهذا الوجه حسن جدا، إلا أن فيه دقة. وهذا معنى قوله : وأن الله ليس بظلام للعبيد [ الأنفال : الآية ٥١ ].

١ انظر: ابن عطية (٣/ ٣٠٨)، القاسمي (٤/ ٣٠٨)..
٢ انظر: الإتقان (٣/ ٢٣٣)، الكليات ٨٨٩..
٣ انظر: البحر المحيط (٣/ ١٣١)، الدر المصون (٣/ ٥١٥)، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ١٠١، الإتقان (٣/ ٢٣٣)، الكليات ٨٨٩ القاسمي (٤/ ٣٠٩)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير