الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ :
يَعْنِي تُصَادِفُهُمْ وَتَلْقَاهُمْ، يُقَالُ : ثَقِفْته أَثْقَفُهُ ثَقَفًا إذَا وَجَدْته، وَفُلَانٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ ؛ أَيْ سَرِيعُ الْوُجُودِ لِمَا يُحَاوَلُ من الْقَوْلِ. وَامْرَأَةٌ ثَقَافٌ. هَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَعْنَى الْحَبْسِ، وَمِنْهُ رَجُلٌ ثَقِفٌذ ؛ أَيْ يُقَيِّدُ الْأُمُورَ بِمَعْرِفَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ :
أَيْ افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا من الْعُقُوبَةِ يَتَفَرَّقُ بِهِ مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَمِنْهُ شَرَدَ الْبَعِيرُ وَالدَّابَّةُ إذَا فَارَقَ صَاحِبَهُ وَمَأْلَفَهُ وَمَرْعَاهُ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الَّتِي لِلْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى : من الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْجِزيَةِ وَالْقَتْلِ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَيَأْتِي هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا يُعْتَضَدُ بِالْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى. . . عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أحكام القرآن
ابن العربي