ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ( ٦٧ ) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( ٦٨ ) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ( ٦٩ .
ختم الله تعالى سياق القتال في هذه السورة بأحكام تتعلق بالأسرى لأن أمورهم يفصل فيها بعد القتال في الغالب كما وقع في غزوة بدر، وكما يقع في كل زمان. وفصله عما قبله لأنه بيان مستأنف لما شأنه أن يسأل عنه ولا سيما عارفي قصة غزوة بدر وأهلها.
فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ( ٦٩ )
ثم إنه تعالى أباح لهم أكل ما أخذوه من الفداء وعده من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول هذه السورة وفي قوله في أول هذا الجزء واعلموا أن ما غنمتم من شيء [ الأنفال : ٤١ ] الخ فقال : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا [ الأنفال : ٦٩ ] أي وإذا كان الله تعالى قد سبق منه كتاب في أنه لا يعذبكم أو يقتضي أن لا يعذبكم بهذا الذنب الذي خالفتم به سنته وهدي أنبيائه فكلوا مما غنمتم من الفدية حالة كونه حلالا بإحلاله لكم الآن، طيبا في نفسه لا خبث فيه مما حرم لذاته كالميتة ولحم الخنزير واجعلوا باقيه في المصالح التي بينت لكم في قسمة الغنائم واتقوا الله في العود إلى أكل شيء من أموال الناس كفارا كانوا أو مؤمنين من قبل أن يحله الله لكم. وقال ابن جرير في تفسير هذه الجملة : وخافوا الله أن تعودوا أن تفعلوا في دينكم شيئا بعد هذا من قبل أن يحل لكم.
إن الله غفور رحيم قال : غفور لذنوب أهل الإيمان من عباده رحيم بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها. اه وفسر بعضهم الاسمين الكريمين هنا بما يقتضيه المقام من مغفرته تعالى لذنبهم بأخذ الفداء وإيثار جمهورهم لعرض الدنيا على ما يقتضيه إيثار الآخرة من طلب الإثخان في الأرض أولا، لإعزاز الحق وأهله، بإذلال الشرك وكبت حزبه ومن رحمته بهم بإباحة ما أخذوا والانتفاع به. والأقرب تفسيره بأنه غفور للمتقين رحيم بهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وجملة القول في تفسير الآيات أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين، لئلا يفضي أخذه الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعداءهم وجرأتهم وعدوانهم عليهم ـ وأن ما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا على ما كان من ذنب أخذهم لهم قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا ذلك لسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، كما سألوه عن الأنفال من قبله، - وأنه لولا كتاب من الله سبق مقتضاه عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته وبالغ حكمته لمسهم بعذاب عظيم في أخذه ذلك ـ وأنه تعالى أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم والله غفور رحيم.
فإن قيل : تبين بعد نزول هذه الآيات أن ما حصل من أخذ الفداء لم يكن مضعفا للمؤمنين، ولا مزيدا في شوكة المشركين، بل كان خيرا ترتب عليه فوائد كثيرة بينها المحقق ابن القيم من بضعة وجوه ـ وسيأتي سردها.
قلنا : ما يدرينا ما كان يكون لو عمل المسلمون بما دلت الآية الأولى من قتل أولئك الأسرى أو من عدم أخذ الأسرى يومئذ ؟ على أنه هو الذي تقتضيه الحكمة، وسنة أنبياء الرحمة، أليس من المعقول أن يكون ذلك مرهبا للمشركين، وصادا لهم عن الزحف بعد سنة على المؤمنين، وأخذ الثأر منهم في أحد ثم اعتداؤهم في غيرها من الغزوات ؟
فإن قيل : وما رحمة الله تعالى في ترجيح رسوله لرأي الجمهور المرجوح بحسب القاعدة أو السنة الإلهية التي كان عليها الأنبياء قبله وهو أرجحهم ميزانا، وأقواهم برهانا، ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم ؟ قلت : إن لله تعالى في ذلك لحكما أذكر ما ظهر لي منها :
الحكمة الأولى : عمل الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من الله تعالى وهو ركن من أركان الإصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر أمم البشر في دولها القوية في هذا العصر، كما عمل صلى الله عليه وسلم برأيهم الذي صرح به الحباب بن المنذر في منزل المسلمين يوم بدر وتقدم ( في ج ٩ ) وقد كان هذا من فضائله صلى الله عليه وسلم ثم فرضه الله عليه في غزوة أحد بقوله : وشاورهم في الأمر [ آل عمران : ١٥٩ ] ( ج ٤ ).
الحكمة الثانية : بيان أن الجمهور قد يخطئون ولا سيما في الأمر الذي لهم فيه هوى ومنفعة. ومنه يعلم أن ما شرعه تعالى في العمل برأي الأكثرين فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة لا أنهم معصومون فيها.
الحكمة الثالثة : أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده ولكن الله تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد. ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته فعاتبه الله تعالى على ذلك بقوله : عبس وتولى أن جاءه الأعمى [ عبس : ١، ٢ ] إلى قوله تعالى : كلا [ عبس : ١٠ ].
الحكمة الرابعة : أن الله تعالى يعاتب رسوله على الخطأ في الاجتهاد مع حسن نيته فيه ويعده ذنبا له ويمنّ عليه بعفوه عنه ومغفرته له، على كون الخطأ في الاجتهاد معفوا عنه في شريعته، لأنه في علو مقامه وسعة عرفانه يعد عليه من مخالفة الأولى والأفضل والأكمل ما لا يعد على من دونه من المؤمنين، على قاعدة : حسنات الأبرار سيئات المقربين١. ومثال ذلك قوله تعالى له لما أذن بالتخلف عن غزوة تبوك لبعض المنافقين عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين [ التوبة : ٤٣ ] فهذه أمثلة ذنوبه صلى الله عليه وسلم تسليما، المغفورة بنص قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما [ الفتح : ٢ ] والذنب ما له عاقبة ضارة أو مخالفة للمصلحة تكون وراءه كذنب الدابة وإن لم يكن معصية.
الحكمة الخامسة : بيان مؤاخذة الله تعالى الناس على الأعمال النفسية وإرادة السوء بعد تنفيذها بالعمل بقوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وإنما كانت إرادة هذا ذنبا لأنه باستشراف أشد من استشرافهم أولا لإيثار عير أبي سفيان على الجهاد، ولذلك لم يسألوا عن حكمه كما سألوا من قبل عن الأنفال، ولم يبالوا في سبيله بأن يقتل المشركون منهم بعد عام مثل عدد من قتلوا هم ببدر كما ورد في بعض الروايات، وما قاله بعض المفسرين من أن سبب هذا حبهم للشهادة فلا دليل عليه من نص ولا قرينة حال ويرده أنه ليس للمؤمنين أن يحبوا أو يختاروا قتل المشركين لكثير منهم ولا قليل، ويكفي من حب الشهادة الإقدام على القتال وعدم الفرار من الزحف خوفا من القتل.
الحكمة السادسة : الإيذان بأنهم استحقوا العذاب على أخذ الفداء ولم يذكر معه مخالفة المصلحة المذكورة لأنها لم تكن قد بينت لهم، وإنما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم هذه المصلحة ويعمل بمقتضاها والظاهر أنه علمها ولكنه رجح عليها العمل بالمشاورة والأخذ برأي الجمهور الذي فرضه الله تعالى عليه فرضا في غزوة أحد، بعد أن ألهمه إياه إلهاما في غزوة بدر، ولهذا لم يمن عليه هنا بالعفو عنه خاصة كما منَّ عليه بعد ذلك في الإذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك الذي هو مخالف للمصلحة أيضا.
الحكمة السابعة : بيان منَّة الله تعالى على أهل بدر أنه لم يعذبهم فيما أخذوا بسوء الإرادة أو بغير حق وتقدم وجهه، وفي هذه المنة بعد الإنذار الشديد خير تربية لأمثالهم من الكاملين تربأ بأنفسهم عن مثل ذلك الاستشراف، لا أنها تجرئهم عليه كما توهم بعض الناس.
الحكمة الثامنة : علمه تعالى بأن أولئك الأسرى ممن كتب لهم طول العمر وتوفيق أكثرهم للإيمان.
الحكمة التاسعة : أن يكون من قواعد التشريع أن ما نفذه الإمام من الأعمال السياسية والحربية بعد الشورى لا ينقض وإن ظهر أنه خطأ. ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما شرع في تنفيذ رأي الجمهور في الخروج إلى أحد على خلاف رأيه ثم راجعوه فيه وفوضوا إليه الأمر في الرجوع فلم يرجع وقال في ذلك كلمته العظيمة التي تعمل بها دول السياسة الكبرى إلى هذا العصر لحسنها لا لاتباعه صلى الله عليه وسلم فتراجع في ( ص ٩٦-٩٨، ج ٤ ).
هذا ما فتح الله تعالى به وهو مخالف لما ذهب إليه العلامة ابن القيم في الهدي، وأشار إليه الحافظ في الفتح، وتارة معزوا إليه وتارة بغير عزو، وإننا ننقله بنصه، ونقفي عليه بما نراه ناقضا له، مع الاعتراف لأستاذنا ابن القيم بالإمامة والتحقيق ( لا العصمة ) في أكثر ما وجه إلى تحقيقه فكره الوقاد. ذلك أنه عقد في كتابه ( زاد المعاد ) فصلا لهديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى ذكر فيه حديث الاستشارة في أسرى بدر ورأي الشيخين رضي الله عنهما والترجيح بينهما ما قال فيه ما نصه ـ والعنوان لنا ـ :
الترجيح بين رأيي الصديق والفاروق في أسرى بدر
وقد تكلم الناس في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه ـ وموافقته الكتاب الذي سبق من الله وإحلال ذلك لهم ـ ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ـ ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ـ ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى ـ ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين ـ ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ـ ولموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أولا ـ ولموافقة الله له آخرا حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة.
قالوا : وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم فإنما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم : لن نغلب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم. فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة ثم استقر الأمر على النصر والظفر والله أعلم»اهـ.
أقول : إن في هذا الكلام على حسنه وكثرة فوائده مغالطات غير مقصودة وبعدا عن معنى الآيتين يجب بيانه لتحرير الموضوع وإظهار علو أحكام القرآن وحكمه وكونها فوق اجتهاد جميع المجتهدين، لأنها كلام رب العالمين. وما صرف المحقق ابن القيم فقهها وبيان علوها وفوقيتها إلا توجيه ذكائه ومعارفه إلى تفضيل اجتهاد أبي بكر على اجتهاد عمر لإجماع أهل السنة على كونه أفضل منه وإن كانوا لم يختلفوا في أنه يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل أو الأفضل فكيف وقد اختاره الرسول بعد العلم بموافقة جمهور الصحابة له ماعدا عمر وكذا عبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص في بعض الروايات. وهذا الجمهور هو الذي كان يريد من الفداء عرض الدنيا لفقرهم وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه الأكبر من إرادة ذلك لذاته، ولا يقدح في مقامهما إرادتهما لمواساة الجمهور وتعويض شيء مما فاتهم من عير أبي سفيان، بعد ما كان من بلائهم في القتال على جوعهم وعدم استعدادهم له، وليس الذنب من الفتن التي يعم بها العذاب كما أشار إليه ابن القيم وهو مما لا يمكن وقوعه مع وجوده صلى الله عليه وسلم.
والتحقيق في المسألة الذي تدل عليه الآيتان دلالة واضحة تؤيدها الروايات الواردة في موضوعها وكذا آية سورة محمد عليه الصلاة والسلام أن رأي عمر هو الصواب الذي كان ينبغي العمل به في مثل الحال التي كان عليها المسلمون مع أعدائهم في وقت غزوة بدر. وأما رأي الصديق فهو الذي تقتضي الحكمة والرحمة العمل به بعد الإثخان في الأرض بالغلب والسلطان، ولكن كان من قدر الله تعالى أن نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي أبي بكر لأنه رأى أن جمهور المسلمين يوافقه فيه وإن كان للكثيرين منهم قصد دون قصده الذي بنى عليه رأيه، وهو إرادتهم للمال لحاجتهم الدنيوية إليه كما صرحت به الآية الكريمة، وفي الحديث الذي تقدم أنه صلى الله عليه وسلم هوي رأي أبي بكر ولم يهو رأي عمر، وعندي أن أسباب هواه لرأي أبي بكر :
١ ـ حرصه صلى الله عليه وسلم على إرضاء الجمهور لعذرهم الذي بيناه آنفا في إرادتهم لعرض الدنيا.
٢ ـ تغليبه صلى الله عليه وسلم للرحمة على العقوبة إذا لم يكن في الرحمة إضاعة لحد من حدود الله ولا مخالفة لأمره تعالى.
٣ ـ رجاء إيمانهم كلهم أو بعضهم، وكان من حكمة الله تعالى ورحمته في هذا القدر أن بين لرسوله وللمؤمنين سنته تعالى في التغالب بين الأمم وما ينبغي لأنبيائه وأتباعهم في حالتي الضعف والإثخان في الأرض وسائر ما دلت عليه الآيات من الأحكام الحربية والسياسية والتشريعية.
بيان ما في كلام ابن القيم
من الأغلاط التي تشبه المغالطات الجدلية
١ـ ذكر أن المرجح الأول لرأي أبي بكر : استقرار الأمر عليه، فإذا كان يريد به ترجيحه والعمل به في تلك الحال فهو غلط ظاهر فإن العمل به هو الذي أنكره القرآن فكيف يكون دليلا على أنه الأصوب أو أنه صواب ؟ وأما



وجملة القول في تفسير الآيات أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين، لئلا يفضي أخذه الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعداءهم وجرأتهم وعدوانهم عليهم ـ وأن ما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا على ما كان من ذنب أخذهم لهم قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا ذلك لسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، كما سألوه عن الأنفال من قبله، - وأنه لولا كتاب من الله سبق مقتضاه عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته وبالغ حكمته لمسهم بعذاب عظيم في أخذه ذلك ـ وأنه تعالى أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم والله غفور رحيم.
فإن قيل : تبين بعد نزول هذه الآيات أن ما حصل من أخذ الفداء لم يكن مضعفا للمؤمنين، ولا مزيدا في شوكة المشركين، بل كان خيرا ترتب عليه فوائد كثيرة بينها المحقق ابن القيم من بضعة وجوه ـ وسيأتي سردها.
قلنا : ما يدرينا ما كان يكون لو عمل المسلمون بما دلت الآية الأولى من قتل أولئك الأسرى أو من عدم أخذ الأسرى يومئذ ؟ على أنه هو الذي تقتضيه الحكمة، وسنة أنبياء الرحمة، أليس من المعقول أن يكون ذلك مرهبا للمشركين، وصادا لهم عن الزحف بعد سنة على المؤمنين، وأخذ الثأر منهم في أحد ثم اعتداؤهم في غيرها من الغزوات ؟
فإن قيل : وما رحمة الله تعالى في ترجيح رسوله لرأي الجمهور المرجوح بحسب القاعدة أو السنة الإلهية التي كان عليها الأنبياء قبله وهو أرجحهم ميزانا، وأقواهم برهانا، ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم ؟ قلت : إن لله تعالى في ذلك لحكما أذكر ما ظهر لي منها :
الحكمة الأولى : عمل الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من الله تعالى وهو ركن من أركان الإصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر أمم البشر في دولها القوية في هذا العصر، كما عمل صلى الله عليه وسلم برأيهم الذي صرح به الحباب بن المنذر في منزل المسلمين يوم بدر وتقدم ( في ج ٩ ) وقد كان هذا من فضائله صلى الله عليه وسلم ثم فرضه الله عليه في غزوة أحد بقوله : وشاورهم في الأمر [ آل عمران : ١٥٩ ] ( ج ٤ ).
الحكمة الثانية : بيان أن الجمهور قد يخطئون ولا سيما في الأمر الذي لهم فيه هوى ومنفعة. ومنه يعلم أن ما شرعه تعالى في العمل برأي الأكثرين فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة لا أنهم معصومون فيها.
الحكمة الثالثة : أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده ولكن الله تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد. ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته فعاتبه الله تعالى على ذلك بقوله : عبس وتولى أن جاءه الأعمى [ عبس : ١، ٢ ] إلى قوله تعالى : كلا [ عبس : ١٠ ].
الحكمة الرابعة : أن الله تعالى يعاتب رسوله على الخطأ في الاجتهاد مع حسن نيته فيه ويعده ذنبا له ويمنّ عليه بعفوه عنه ومغفرته له، على كون الخطأ في الاجتهاد معفوا عنه في شريعته، لأنه في علو مقامه وسعة عرفانه يعد عليه من مخالفة الأولى والأفضل والأكمل ما لا يعد على من دونه من المؤمنين، على قاعدة : حسنات الأبرار سيئات المقربين١. ومثال ذلك قوله تعالى له لما أذن بالتخلف عن غزوة تبوك لبعض المنافقين عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين [ التوبة : ٤٣ ] فهذه أمثلة ذنوبه صلى الله عليه وسلم تسليما، المغفورة بنص قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما [ الفتح : ٢ ] والذنب ما له عاقبة ضارة أو مخالفة للمصلحة تكون وراءه كذنب الدابة وإن لم يكن معصية.
الحكمة الخامسة : بيان مؤاخذة الله تعالى الناس على الأعمال النفسية وإرادة السوء بعد تنفيذها بالعمل بقوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وإنما كانت إرادة هذا ذنبا لأنه باستشراف أشد من استشرافهم أولا لإيثار عير أبي سفيان على الجهاد، ولذلك لم يسألوا عن حكمه كما سألوا من قبل عن الأنفال، ولم يبالوا في سبيله بأن يقتل المشركون منهم بعد عام مثل عدد من قتلوا هم ببدر كما ورد في بعض الروايات، وما قاله بعض المفسرين من أن سبب هذا حبهم للشهادة فلا دليل عليه من نص ولا قرينة حال ويرده أنه ليس للمؤمنين أن يحبوا أو يختاروا قتل المشركين لكثير منهم ولا قليل، ويكفي من حب الشهادة الإقدام على القتال وعدم الفرار من الزحف خوفا من القتل.
الحكمة السادسة : الإيذان بأنهم استحقوا العذاب على أخذ الفداء ولم يذكر معه مخالفة المصلحة المذكورة لأنها لم تكن قد بينت لهم، وإنما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم هذه المصلحة ويعمل بمقتضاها والظاهر أنه علمها ولكنه رجح عليها العمل بالمشاورة والأخذ برأي الجمهور الذي فرضه الله تعالى عليه فرضا في غزوة أحد، بعد أن ألهمه إياه إلهاما في غزوة بدر، ولهذا لم يمن عليه هنا بالعفو عنه خاصة كما منَّ عليه بعد ذلك في الإذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك الذي هو مخالف للمصلحة أيضا.
الحكمة السابعة : بيان منَّة الله تعالى على أهل بدر أنه لم يعذبهم فيما أخذوا بسوء الإرادة أو بغير حق وتقدم وجهه، وفي هذه المنة بعد الإنذار الشديد خير تربية لأمثالهم من الكاملين تربأ بأنفسهم عن مثل ذلك الاستشراف، لا أنها تجرئهم عليه كما توهم بعض الناس.
الحكمة الثامنة : علمه تعالى بأن أولئك الأسرى ممن كتب لهم طول العمر وتوفيق أكثرهم للإيمان.
الحكمة التاسعة : أن يكون من قواعد التشريع أن ما نفذه الإمام من الأعمال السياسية والحربية بعد الشورى لا ينقض وإن ظهر أنه خطأ. ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما شرع في تنفيذ رأي الجمهور في الخروج إلى أحد على خلاف رأيه ثم راجعوه فيه وفوضوا إليه الأمر في الرجوع فلم يرجع وقال في ذلك كلمته العظيمة التي تعمل بها دول السياسة الكبرى إلى هذا العصر لحسنها لا لاتباعه صلى الله عليه وسلم فتراجع في ( ص ٩٦-٩٨، ج ٤ ).
هذا ما فتح الله تعالى به وهو مخالف لما ذهب إليه العلامة ابن القيم في الهدي، وأشار إليه الحافظ في الفتح، وتارة معزوا إليه وتارة بغير عزو، وإننا ننقله بنصه، ونقفي عليه بما نراه ناقضا له، مع الاعتراف لأستاذنا ابن القيم بالإمامة والتحقيق ( لا العصمة ) في أكثر ما وجه إلى تحقيقه فكره الوقاد. ذلك أنه عقد في كتابه ( زاد المعاد ) فصلا لهديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى ذكر فيه حديث الاستشارة في أسرى بدر ورأي الشيخين رضي الله عنهما والترجيح بينهما ما قال فيه ما نصه ـ والعنوان لنا ـ :
الترجيح بين رأيي الصديق والفاروق في أسرى بدر
وقد تكلم الناس في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه ـ وموافقته الكتاب الذي سبق من الله وإحلال ذلك لهم ـ ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ـ ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ـ ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى ـ ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين ـ ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ـ ولموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أولا ـ ولموافقة الله له آخرا حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة.
قالوا : وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم فإنما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم : لن نغلب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم. فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة ثم استقر الأمر على النصر والظفر والله أعلم»اهـ.
أقول : إن في هذا الكلام على حسنه وكثرة فوائده مغالطات غير مقصودة وبعدا عن معنى الآيتين يجب بيانه لتحرير الموضوع وإظهار علو أحكام القرآن وحكمه وكونها فوق اجتهاد جميع المجتهدين، لأنها كلام رب العالمين. وما صرف المحقق ابن القيم فقهها وبيان علوها وفوقيتها إلا توجيه ذكائه ومعارفه إلى تفضيل اجتهاد أبي بكر على اجتهاد عمر لإجماع أهل السنة على كونه أفضل منه وإن كانوا لم يختلفوا في أنه يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل أو الأفضل فكيف وقد اختاره الرسول بعد العلم بموافقة جمهور الصحابة له ماعدا عمر وكذا عبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص في بعض الروايات. وهذا الجمهور هو الذي كان يريد من الفداء عرض الدنيا لفقرهم وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه الأكبر من إرادة ذلك لذاته، ولا يقدح في مقامهما إرادتهما لمواساة الجمهور وتعويض شيء مما فاتهم من عير أبي سفيان، بعد ما كان من بلائهم في القتال على جوعهم وعدم استعدادهم له، وليس الذنب من الفتن التي يعم بها العذاب كما أشار إليه ابن القيم وهو مما لا يمكن وقوعه مع وجوده صلى الله عليه وسلم.
والتحقيق في المسألة الذي تدل عليه الآيتان دلالة واضحة تؤيدها الروايات الواردة في موضوعها وكذا آية سورة محمد عليه الصلاة والسلام أن رأي عمر هو الصواب الذي كان ينبغي العمل به في مثل الحال التي كان عليها المسلمون مع أعدائهم في وقت غزوة بدر. وأما رأي الصديق فهو الذي تقتضي الحكمة والرحمة العمل به بعد الإثخان في الأرض بالغلب والسلطان، ولكن كان من قدر الله تعالى أن نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي أبي بكر لأنه رأى أن جمهور المسلمين يوافقه فيه وإن كان للكثيرين منهم قصد دون قصده الذي بنى عليه رأيه، وهو إرادتهم للمال لحاجتهم الدنيوية إليه كما صرحت به الآية الكريمة، وفي الحديث الذي تقدم أنه صلى الله عليه وسلم هوي رأي أبي بكر ولم يهو رأي عمر، وعندي أن أسباب هواه لرأي أبي بكر :
١ ـ حرصه صلى الله عليه وسلم على إرضاء الجمهور لعذرهم الذي بيناه آنفا في إرادتهم لعرض الدنيا.
٢ ـ تغليبه صلى الله عليه وسلم للرحمة على العقوبة إذا لم يكن في الرحمة إضاعة لحد من حدود الله ولا مخالفة لأمره تعالى.
٣ ـ رجاء إيمانهم كلهم أو بعضهم، وكان من حكمة الله تعالى ورحمته في هذا القدر أن بين لرسوله وللمؤمنين سنته تعالى في التغالب بين الأمم وما ينبغي لأنبيائه وأتباعهم في حالتي الضعف والإثخان في الأرض وسائر ما دلت عليه الآيات من الأحكام الحربية والسياسية والتشريعية.
بيان ما في كلام ابن القيم
من الأغلاط التي تشبه المغالطات الجدلية
١ـ ذكر أن المرجح الأول لرأي أبي بكر : استقرار الأمر عليه، فإذا كان يريد به ترجيحه والعمل به في تلك الحال فهو غلط ظاهر فإن العمل به هو الذي أنكره القرآن فكيف يكون دليلا على أنه الأصوب أو أنه صواب ؟ وأما

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير