ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٦٨ ) لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٦٨ ) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( الأنفال : ٦٧-٦٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في حال الغزو والجهاد أمام أعدائهم الكافرين من الصبر والثبات على القتال، ومن تفضيل السلم إذا جنح العدو إليها- قفّى على ذلك بذكر أحكام الأسرى لأن أمورهم يفصل فيها بعد القتال غالبا كما وقع في وقعة بدر وكما يقع في كل زمان.
روى ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال :( لما كان يوم بدر جيء بالأساري، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر : يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه : أنت في واد كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس رضي الله عنه وهو يسمع ما يقول : أقطعت رحمك ؟ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يردّ عليهم شيئا، فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس : يأخذ بقول عمر، وقال أناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( إن الله ليُلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله سبحانه ليشدّه قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ؛ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ( إبراهيم : ٣٦ ) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( المائدة : ١١٨ ). ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال : ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ( يونس : ٨٨ ) وإن مثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ( نوح : ٢٦ ) أنتم عالة فلا يفلتن أحد إلا بفداء أو ضرب عنق ) فقال عبد الله رضي الله عنه : يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إلا سهيل بن بيضاء ) فأنزل الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى إلى آخر الآيتين ).
روى أحمد من حديث ابن عباس قال :( لما أسروا الأساري يعني يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر :( ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ ) فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما ترى يا ابن الخطاب ؟ ) قال : لا والله لا أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ؛ فتمكن عليا من عقيل أخيه فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان- نسيب لعمر- فأضرب عنقه، ومكّن فلانا من فلان قرابته، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت.
فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة- شجرة قريبة منه ) وأنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض .
وفي هذا الحديث تصريح بأن الذين طلبوا منه صلى الله عليه وسلم اختيار الفداء كثيرون، وإنما ذكر في أكثر الروايات أبو بكر رضي الله عنه، لأنه أول من أشار بذلك، ولأنه أكبرهم مقاما.
وروى ابن المنذر عن قتادة قال : أراد أصحاب محمد الفداء يوم بدر ففادَوْهم بأربعة آلاف، أربعة آلاف.
الإيضاح :
وبعد أن عاتبهم على أخذ الفداء أباح لهم أكل ما أخذوه، وعدّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول السورة فقال :
فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا أي فكلوا مما غنمتم من الفدية حال كونه حلالا بإحلاله لكم، طيبا في نفسه لا خبث فيه مما حرم لذاته كالدم ولحم الخنزير.
واتقوا الله في أن تعودوا إلى أكل شيء من أموال الناس كفارا كانوا أو مؤمنين من قبل أن يُحلّه لكم ربكم.
إن الله غفور رحيم أي إنه غفور لذنبكم بأخذ الفداء وإيثار جمهوركم لعرض الدنيا على ما يقتضيه إيثار الآخرة من طلب الإثخان أولا لإعزاز الحق وأهله بإذلال الشرك وكبْت حزبه، رحيم بكم إذ أباح لكم ما أخذتم، وأباح لكم الانتفاع به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وخلاصة ما تقدم : إنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغَلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين، لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادةُ جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتاب من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته- لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك، وإنه أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم، والله غفور رحيم.



وخلاصة ما تقدم : إنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغَلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين، لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادةُ جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتاب من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته- لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك، وإنه أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم، والله غفور رحيم.
وخلاصة ما تقدم : إنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغَلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين، لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادةُ جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتاب من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته- لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك، وإنه أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم، والله غفور رحيم.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير