ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

وما نَقَمُوا منهم أي : وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال : نقم بالفتح والكسر : عاب، أي : عابوا منهم إِلاَّ أن يؤمنوا بالله وهذا كقول الشاعر١ :

ولا عَيْبَ فيهم غير أنَّ سيوفهم بهن فُلولٌ من قِرَاع الكتائبِ
وكقوله تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ [ الحج : ٤٠ ] وعبّر بلفظ المضارع، ولم يقل : إلاَّ أن آمنوا، مع أنَّ القصة قد وقعت، لإفادة أنَّ التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى : العزيزِ الحميدِ ، ذكر الأوصاف الذي يستحقّ بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزاً غالباً قادراً، يُخشى عقابه، حميداً منعماً، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أنَّ وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيمٌ، له جلالة، وأنَّ مَن رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلاً مبالغاً في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يُقادر قدره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : والسماء ذات البروج، أي : سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقِّبه إليها، مَن أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التوكُّل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكوِّن، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عياناً، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي : الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي : لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضاً : الشاهد هو، إذا تجلّى بتجلِّي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهَدَها بنعت الكشف، وأيضاً : الشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. هـ. قُتل أصحابُ الأخدود، وهم الصادُّون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذِّبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلاّ طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إنّ الذين فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البُعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع.

١ البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٤٤، والأزهية ص١٨٠، وإصلاح المنطق ص٢٤، وخزانة الأدب ٣/٣٢٧، والدرر ٣/١٧٣، وشرح شواهد المغني ص٣٤٩، والكتاب ٢/٣٢٦..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير