ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

الآية ٨ : وقوله تعالى : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [ يحتمل وجهين :
أحدهما : ذكر ]١ العزيز الحميد ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه وأهل طاعته، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه خلافا لما عليه ملوك الدنيا ؛ وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل كان الذل حالا فيه أيضا، وإذا قهر بعض أتباعه، فترك نصرهم، وهو قادر على نصرهم وإغاثتهم، لم يحمدوا ذلك منه، ولحقته المذمة ؛ وذلك لأن الملك استفاد العز بأتباعه وأنصاره، فإذا استذل أتباعه زال ما به نال العز، فلحقه الذل، ونال الحمد أيضا بالإحسان إلى مملكته.
فإذا ترك نصرهم، وهو ممكن من ذلك، فقد ترك إحسانه إليهم، فصار به غير ممدوح ومحمود. والله تعالى، استحق العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه، فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب النقص في وصف الحمد ولا ما يوجب قصورا في العز.
والثاني : أن الدنيا وما فيها أنشئت للإهلاك، ولعل الإهلاك بما ذكره أيسر عليهم من هلاكهم حتف أنوفهم٢، وكان في ذلك النوع من الهلال نيل درجة الشهداء، وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربه يرزقون [ آل عمران : ١٦٩ ] ولا تنال تلك الدرجة بموتهم حتف أنوفهم٣، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم.
ثم للجزاء والعقاب دار أخرى، فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء٤ ؛ فلم يكن في ترك النصر في الدنيا ما يوجب وهنا ولا ذلا. وأما ملوك الدنيا إذا تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم فلم يتوقع منهم النصر بعد ذلك، إذ ليست في أيديهم إلا المنافع الحاضرة، لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر، والله أعلم.
ثم ليس في إهلاك أولئك القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم كانوا على الحق والصواب وأن المؤمنين كانوا على الخطإ، لأن الإهلال إنما يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد، وإهلاكهم لم يكن كذلك، لأن عددهم كان كثيرا، وكان في المؤمنين قلة، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد، بل هو أمر معتاد، وغلبة الفئة القليلة٥، هي التي تخرج من حد الاعتياد، فيكون فيها آية الفئة القليلة على الحق، والأخرى على الباطل، وذلك نحو غلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بمن معه من المسلمين مع قلة عددهم وضعفهم في أنفسهم وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : وما نقموا منهم أي لم يكن من المؤمنين بمكانهم جرم من ينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا بالله تعالى :[ وقيل : ما عابوا عليهم، وما أنكروا منهم، وفي هذا تبيين سفههم وعتوهم لأنهم علموا أن مالهم من النعم كلها من الله تعالى، فكان الذي يحق عليهم أن يؤمنوا بالله تعالى ]٦ ويشكروه بما خولهم من النعم، ويدعوا غيرهم٧ إلى الإيمان به، لا أن يقتلوا، ويعذبوا من آمن به.
ثم قوله تعالى : العزيز الحميد فالعزيز هو الذي لا وجود لمثله٨ أو هو عزيز، لا يلحقه ذل، فيكون العز مقابل [ الذل ]٩.
وقال أهل التفسير : العز المنع، والعزيز، هو الذي لا يعجزه شيء، والحميد١٠ : المستوجب الحمد من كل أحد بذاته.

١ في الأصل وم: فذكر..
٢ في الأصل وم: أنفسهم..
٣ في الأصل وم: أنفسهم..
٤ في الأصل وم: الأولياء..
٥ في الأصل وم: الكثيرة..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: غير..
٨ في الأصل وم: له..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: وهو الحميد..

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية