ﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

ثم ذكر المقسَم عليه، فقال : إِن كُلُّ نفسٍ لمَّا عليها حافظٌ ، " إن " نافية، و " لمّا " بمعنى " إلاّ " في قراءة مَن شدّدها، وهي لغة هذيل، يقولون :" نشدتك الله لمّا قمت " أي : إلاّ قمت، أي : ما كل نفس إلاّ عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عزّ وجل، كما في قوله تعالى : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً [ الأحزاب : ٥٢ ] أو : مَن يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر، كما في قوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ( ١٠ ) [ الانفطار : ١٠ ] أو : مَن يحفظها من الآفات، ويذب عنها، كما في قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : ١١ ]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" وكِّل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يُقدّر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذبابَ، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم : إن كل نَفْس. . ١ الخ. و " ما " : صلة في قراءة من خفف، أي : إنه، أي : الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماءٌ لشمس العرفان وقمرِ الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية، ثم نوّه بذلك الطارق، فقال : وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب أي : هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إمّا جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كُلُّ نفس لمّا عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهراً وباطناً. فلينظر الإنسانُ مِمَّ خُلق في عالم الحكمة من جهة بشريته، خُلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عِزُّه وشرفُه، مَن تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكّاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " مَن عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحُكم للغالب منهما. إنه على رجعه : أي : رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيًّا سماويًّا، بعد أن كان بشريًّا أرضيًّا، وذلك يوم تُبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوئ، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمَن لم يَفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوةٍ على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلاّ بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلاَّ مِن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.



١ أخرجه العراقي في المغني عن حمل الأسفار ٣/٤٢..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير