قوله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [ التوبة : ١٠١ ].
وفيها ثلاث مسائل، هي :
المسألة الأولى : أيهما أفضل مكة، أم المدينة ؟
المسألة الثانية : هل يقطع لصحابي بعينه أنه من أهل الجنة ؟
المسألة الثالثة : إذا قال التابعي : حدثني رجل من الصحابة، فهل يقبل ؟
المسألة الأولى :
[ ٩٥ ] أيهما أفضل مكة، أم المدينة ؟
قال ابن حزم رحمه الله تعالى :
( ومكة أفضل بلاد الله تعالى، نعني الحرم وحده، وما وقع عليه اسم عرفات فقط. وبعدها مدينة النبي عليه السلام، نعني حرمها وحده. ثم بيت المقدس، نعني المسجد وحده. هذا قول جمهور العلماء. وقال مالك : المدينة أفضل من مكة ).
ثم أورد رحمه الله الأدلة لهذا المذهب مع تعقبه بالنقض لها دليلا دليلا، ثم أردفها بأدلة القول الذي يذهب إليه، فقال :
( ثم نورد الآثار الصحيحة والبراهين الواضحة في فضل مكة على المدينة وغيرها، أول ذلك : حبس الله تعالى الفيل عنها، وإهلاكه جيش راكبه إذ أراد غزو مكة. ثم قول رسول الله عليه السلام في غزوة الحديبية إذ بركت ناقته فقال الناس : خلأت، فقال النبي عليه السلام : " ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل " ١.
وقل تعالى : ومن دخله كان آمنا [ آل عمران : ٩٧ ].
وقال تعالى : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين [ آل عمران : ٩٦ ].
وقال تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله [ البقرة : ١٥٨ ].
وقال تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق [ الحج : ٣٣ ]
وقال تعالى : أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [ البقرة : ١٢٥ ].
ثم جعل الله فيها تمام الصلاة، والحج، والعمرة، فهي القبلة التي لا تقبل صلاة إلا بالقصد نحوها، وإليها الحج المفترض، والعمرة المفترضة، وإنما فرضت الهجرة إلى المدينة ما لم تفتح مكة، فلما فتحت بطلت الهجرة، فهذه الفضيلة لمكة ثم للمدينة. وأمر عليه السلام أن لا يسفك فيها دم، وأخبر أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض، ولم يحرمها الناس٢.
ونهى عليه السلام أن يستقبلها أحد أو يستدبرها ببول أو غائط٣.
روينا من طريق البخاري : نا محمد بن عبد الله، نا عاصم بن علي، نا عاصم بن محمد هو – ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب – عن واقد بن محمد – هو أخوه – قال : سمعت أبي – هو محمد بن زيد – قال : قال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا شهرنا هذا. قال : " ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة " ؟ قالوا : ألا يومنا هذا. قال : " فإن الله تعالى حرم عليكم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، إلا بحقها كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا من شهركم هذا ؟ ألا هل بلغت " ؟ ثلاثا، كل ذلك يجيبونه : ألا نعم٤.
ومن طريق ابن أبي شيبة، نا أبو معاوية – هو محمد بن خازم الضرير – عن الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله عليه السلام في حجته : " أتدرون أي يوم أعظم حرمة " ؟ فقلنا : يومنا هذا قال : " فأي بلد أعظم حرمة " ؟ فقلنا : بلدنا هذا. ثم ذكر مثل حديث ابن عمر٥.
فهذان : جابر، وابن عمر يشهدان : أن رسول الله عليه السلام قرر الناس على أي بلد أعظم حرمة، فأجابوه بأنه مكة، وصدقهم في ذلك، وهذا إجماع من جميع الصحابة في إجابتهم إياه عليه السلام بأن بلدهم ذلك، وهم بمكة.
فمن خالف هذا، فقد خالف الإجماع. فصح بالنص والإجماع أن مكة أعظم حرمة من المدينة، وإذا كانت أعظم حرمة من المدينة، فهي أفضل بلا شك ؛ لأن أعظم الحرمة لا يكون إلا للأفضل ولا بد، لا للأقل فضلا.
روينا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام كان بالحجون فقال : " والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولو لم أخرج منك ما خرجت٦... "
وهذا خبر في غاية الصحة. ثم قال :
( حدثنا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، نا عبد الوارث بن سفيان بن جبرون، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير وأبو يحيى بن أبي مرة، قالا جميعا : نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن حبيب المعلم، نا عطاء ابن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله عليه السلام : " صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الحرام. وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة " ٧.
حديث ابن الزبير صحيح، فارتفع الإشكال جملة، والحمد لله...
وقد ذكرنا أنه قول جميع الصحابة، وقول عمر بن الخطاب مرويا عنه٨ ٩.
المسألة الثانية :
[ ٩٦ ] هل يقطع لصحابي بعينه أنه من أهل الجنة ؟
قال ابن حزم :
( ثم نقطع على أن كل من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنية صادقة، ولو ساعة، فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب، إلا أنهم لا يلحقون بمن أسلم قبل الفتح، وذلك لقول الله عز وجل : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى [ الحديد : ١٠ ].
وقال تعالى : وعد الله لا يخلف الله وعده [ الروم : ٦ ].
وقال تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون [ الأنبياء : ١٠١-١٠٣ ].
فصح بالضرورة : أن كل من أنفق من قبل الفتح وقاتل، فهو مقطوع على غيبه ؛ لتفضيل الله تعالى إياهم، والله تعالى لا يفضل إلا مؤمنا فاضلا، وأما من أنفق بعد الفتح، وقاتل فقد كان فيهم منافقون لم يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف نحن. قال الله تعالى : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم [ التوبة : ١٠١ ].
قال أبو محمد :
( فلهذا لم نقطع على كل امرئ منهم بعينه، لكن نقول : كل من لم يكن منهم من المنافقين، فهو من أهل الجنة يقينا، لأنه قد وعدهم الله تعالى الحسنى كلهم، وأخبر أنه لا يخلف وعده، وأن من سبقت له الحسنى فهو مبعد من النار لا يسمع حسيسها، ولا يحزنه الفزع الأكبر، وهو فيما اشتهى خالد.
وهذا نص قولنا، والحمد لله رب العالمين )١٠.
المسألة الثالثة :
[ ٩٧ ] إذا قال التابعي : حدثني رجل من الصحابة، فهل يقبل ؟
قال ابن حزم رحمة الله تعالى :
( فلا يقبل حديث قال راويه فيه : عن رجل من الصحابة، أو حدثني من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حتى يسميه، ويكون معلوما بالصحبة الفاضلة ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى، قال الله عز وجل : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [ التوبة : ١٠١ ].
وقد ارتد قوم ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام كعيينة بن حصن والأشعت بن قيس والرجال، وعبد الله بن أبي سرح.
قال علي :
ولقاء التابع لرجل من أصاغر الصحابة شرف وفخر عظيم، فلأي معنى يسكت عن تسميته لو كان ممن حمدت صحبته، ولا يخلو سكوته عنه من أحد وجهين :
إما أنه لا يعرف من هو، ولا عرف صحة دعواه الصحبة، أو لأنه كان من بعض ما ذكرنا )١١.
هكذا استدل بن حزم بالآية، وأطلق القول بعدم قبوله الرواية إذا لم يسم الصحابي ويعرف بالصحبة، لكنه قال في النبذ١٢ :
( وكل من روى عن صحابي، ولم يسميه١٣. فإن كان ذلك الراوي ممن لا يجهل صحة قول مدعي الصحبة من بطلانه، فهو خبر مسند تقوم به حجة، لأن جميع الصحابة عدول…
وإن كان الراوي ممن يمكن أن يجهل صحة قول مدعي الصحبة، فهو حديث مرسل ).
٢ أخرجه البخاري (١٨٣٤) كتاب جزاء الصيد: باب لا يحل القتال بمكة، ومسلم (١٣٥٣) في كتاب الحج: باب تحريم مكة، كلاهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما..
٣ أخرجه البخاري (١٤٤) في كتاب الوضوء: باب لا تستقبل القبيلة بغائط أو بول إلا عند البناء و(مسلم) (٢٦٤) (في كتاب الطهارة): باب الاستطابة من حديث أبي أيوب الأنصاري..
٤ رجال الإسناد:
محمد بن عبد الله لعله الذهلي الإمام المشهور: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/٨٧):
(قال الحاكم: محمد بن عبد الله هذا هو الذهلي، وقال أبو علي الجباني: لم أره منسوبا في شيء من الروايات. قلت: وعلى قول الحاكم فيكون نسب إلى جده؛ لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس).
عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسن التيمي مولاهم، صدوق ربما وهم، من التاسعة، مات سنة إحدى وعشرين. (التقريب) [٣٠٨٤].
عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمرري، المدني، ثقة، من السابعة. (التقريب) [٣٠٩٥].
واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، المدني، ثقة، من السادسة. (التقريب) [٧٤٣٩].
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر المدني، ثقة، من الثالثة. (التقريب) [٥٩٢٩].
تخريجه: أخرجه البخاري (٦٧٨٥) في كتاب الحدود: باب ظهر المؤمن حمى، إلا في حد أو حق، ومسلم (٦٦) في كتاب الإيمان: باب بيان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا"..
٥ أخرجه ابن أبي شيبة (٧/٤٥٤)، وأيضا مسلم في صحيحه )١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأبو داود (١٩٠٥) في المناسك: باب صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سبق التعريف برجاله..
٦ أخرجه أحمد (٤/٣٠٥) والترمذي (٣٩٢٥) في: (المناقب): باب في فضل مكة، وابن ماجة (٣١٠٨) في (المناسك): باب فضل مكة، وابن حبان (٩/٢٢)، والحاكم (٣/٧)، وابن عبد البر (٩/٢٢٦ – فتح البر): من طرق:
عن الزهري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري، قال: فذكره.
وهذا الحديث صحيح، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الذهبي في الميزان أيضا، كما سبق نقل كلامه عند حديث: (اللهم إنك قد أخرجتني من أحب البلاد إلي...) الحديث.
وصححه ابن حيان وابن عبد البر كما في التمهيد (٩/٢٢٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، في (أحاديث القصاص) (ص ٦٥-٦٦) وبه رد حديث: (اللهم إنك قد أخرجتني من أحب الديار إلي..." الحديث.
لكن ليعلم أن هذا حديث عبد الله بن عدي، أما جعله من حديث أبي هريرة فهو عند الإمام أبي يعلى (١٠/٣٦٢)، والطحاوي في: (شرح معاني الآثار) (٢/٢٦١).
وقد حكم عليه أبو حاتم في العلل (١/٢٨٠) بكونه خطأ، وهم فيه محمد بن عمرو – وقال ابن عبد الهادي في (تنقيح التحقيق) (٢/٤٥٣): (وحديث الزهري أصح).
والحديث صحيح كما سبق من حديث عبد الله بن عدي..
٧ أخرجه أحمد (٤/٥)، وابن حبان (٤/٤٩٩)، والبيهقي (٥/٢٤٦)، وابن عبد البر (٩/٢٢١-٢٢٢- فتح البر).
من طريق: حماد بن زيد قال: حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير فذكره مرفوعا.
وهذا إسناد صحيح، كما ترى. وقد صححه ابن حبان وابن عبد البر وابن حزم.
قال ابن عبد البر ( ٩/٢٢١): (هكذا رواه عطاء ابن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير، واختلف في رفعه على عطاء على حسب ما نذكره ومن رفعه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحفظ وأثبت من جهة النقل، وهو أيضا صحيح في النظر، لأن مثله لا يد لا يدرك بالرأي، ولا بد فيه من التوقيف، فلهذا قلنا: إن من رفعه أولى، مع شهادة أئمة الحديث للذي رفعه بالحفظ والثقة) ثم ساق أسماء من وقف الحديث ورواياتهم ثم قال: (ولكن الحديث لم يقمه، ولا جوده إلى حبيب المعلم عن عطاء، أقام إسناده وجود لفظه) وقد حسن الإمام النووي إسناده في (شرح مسلم) (٩/١٦٤)، وصحح ابن القيم إسناده في (زاد المعاد) (١/٤٨) وهو الصواب إن شاء الله تعالى..
٨ سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق قول عمر رضي الله عنه..
٩ (المحلى) (٥/٣٢٥-٣٣٩)..
١٠ (الفصل) (٤/٢٢٥-٢٢٦)..
١١ (أصول الأحكام) (١/١٤٣-١٤٤)..
١٢ ص ٨٢ – ٨٣..
١٣ هكذا، والصواب: (يسمه)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري