وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٠٠ ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم( ١٠١ ) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ١٠٠-١٠٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
تفسير المفردات :
ومردوا : أي مرنوا وحذقوا.
الإيضاح :
وبعد أن بّين كمال إيمان تلك الطبقات الثلاث ورضاه عنهم- بين حال منافقي أهل المدينة ومن حولها فقال :
وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي إن بعض الأعراب الذين حولكم منافقون.
قال البغوي والواحدي : هم من قبائل جُهَيِْنة ومُزَيْنة وأشجع وأسلم وغفار، وكانت منازلهم حول المدينة، وذلك لا يمنع أن يكون فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم ومدحهم فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره )، وعنه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال :( أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن قالها الله تعالى ).
وكذلك من أهل المدينة نفسها ناس منافقون، من الأوس والخزرج سوى من أعلم الله رسوله بهم في هذه السورة بما صدر منهم من أقوال وأفعال تنافي الإيمان.
هؤلاء وهؤلاء مرنوا على النفاق وحذقوه حتى بلغوا الغاية في إتقانه، فلا يشعر أحد به، إذ هم يتقون جميع الأمارات والشبه التي تدل عليه.
لا تعلمهم نحن نعلمهم أي لا تعرفهم أيها الرسول الكريم بفطنتك ودقيق فراستك لحذقهم في التقيّة وتباعدهم عن مثار الشبهات، بل نحن نعلمهم بأعيانهم، وهؤلاء أخفى نفاقا ممن قال الله فيهم : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ( ٢٩ ) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ( محمد : ٢٩-٣٠ ).
وهؤلاء لم يعلمه الله أعيانهم ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة لأنهم يتحامَوْن ما يكون شبهة في إيمانهم، وضررهم مقصور عليهم لا يعْدوهم إلى سواهم.
والحكمة في إخبارنا بحالهم أن يعلموا هم أنفسهم أن الله عليم بما يسرون من نفاقهم، ويحذروا أن يفضحهم الله كما فضح سواهم، وليتوب منهم من يتوب قبل أن يحل بهم ما أوعدهم به ربهم بقوله :
سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم أي سنعذبهم في الحياة الدنيا مرتين : أولاهما ما يصيبهم به من المصايب وانتظار الفضيحة بهتك أستارهم. وثانيتهما آلام الموت وزهوق أنفسهم وهم كافرون، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم في تلك الحين، ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب جهنم وبئس المصير.
والخلاصة إنهم يعذبون في الدنيا بالعذاب الباطن بتوبيخ الضمائر وعذاب الخوف من الفضيحة على رءوس الأشهاد في الظاهر، ثم عذاب النار وبئس القرار.
وجملة القول : إن المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى لا يشعر أحد بشيء يستنكره منهم.
وهذان الفريقان يوجدان في كل عصر، فما من قطر من الأقطار إلا مُنِي أهله بأعوان وأنصار منهم يزعمون أنهم يخْدُمون أمتهم من طريق استمالة الغاصب واسترضائه، وأنه لولاهم لتمادى في ظلمه وهضم حقوق الأمة ولم يقف عند حد، ومنهم من يخدمون المستعمرين خدمة خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مرنوا على النفاق.
وأشد المنافقين مرودا على النفاق أعوان الملوك المستبدين الذين يُلبسون الباطل لباس الحق ويروجونه في أعين الجماهير خدمة لأولئك الملوك.
تفسير المراغي
المراغي