ويقول الحق بعد ذلك :
وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلموهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم( ١٠١ ) .
أوضح سبحانه : وطّنوا أنفسكم على أن من حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، وهذا التوطّين يعطي مناعة اليقظة ؛ حتى لا يندس واحد من المنافقين على أصحاب الغفلة الطيبين من المؤمنين، فينبههم الحق : انتبهوا فأنتم تعيشون في مجتمع محاط بالمنافقين. والتطعيم ضد الداءات التي تصيب الأمم وسيلة من وسائل محاربة العدو، ونحن نفعل ذلك ماديّا حين نسمع عن قرب انتشار وباء ؛ فنأخذ المصل الواقي منه، رغم أنه داء إلا أنه يعطينا مناعة ضد المرض.
وهكذا يربي الحق المناعة بحيث لا يمكن أن يهاجم المؤمنون عن غفلة، فيقول : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق و " مرد " يمرد أي : تدرب وتمرن، ويبقى الأمر عنده حرفة، وكأن الواحد منهم يجيد النفاق إجادة تامة. وكل ذلك ليوجد مناعة في الأمة الإسلامية ؛، حتى يكون المؤمن على بصيرة في مواجهة أي شيء، فإذا رأى أي سلوك فيه نفاق اكتشفه على الفور. واليقظة تدفع عنك الضر، ولا تمنع عنك الخير.
وافرض أن واحدا قال لك : إن هذا الطريق مخوف لا تمش فيه وحدك بالليل. ثم جاء آخر وقال : إنه طريق آمن ومشينا فيه ولم يحدث شيء، فلو أنك احتطت وأخذت معك سلاحا أو رفيقا فقد استعددت للشر لتتوقاه، فهب أنه لم يحدث شيء، فما الذي خسرته ؟ إنك لن تخسر شيئا. وهذه قضية منطقية فلسفية يردّ بها على الذين يشككون في دين الله، مثل المنجّمين، ومن يدّعون الفلسفة، ويزعمون أنه لا يوجد حساب ولا حشر ولا يوم آخر، فيقول الشاعر :
زعم المنجم والطبيب كلاهما *** لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر *** أو صح قولي فالخاسر عليكما
أي : إن كان كلامكم صحيحا من أنه لا يوجد بعث-والعياذ بالله- فلن أخسر شيئا ؛ لأني أعمل الأعمال الطيبة. وإن كان هناك بعث-وهو حق- فسوف ألقى الجزاء في الجنة ؛ وبذلك لم أخسر، بل كسبت. لكن افرضوا أنكم عملتم الشر كله وجاء البعث فأنتم الخاسرون. والقضية الفلسفية المنطقية هنا هي : إن لم أكسب فلن أخسر، وأنتم إن لم تخسروا فلن تكسبوا.
والحق في هذه الآية يقول : ممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق... وكلمة وممن حولكم تفيد أنكم محاصرون، لا ممن حولكم فقط، بل أيضا ببعض من الموجودين بينكم في المدينة، وهم من تدربوا على النفاق حتى صارت لهم ألفة به.
وهذه الآيات –كما نعلم- قد نزلت تحكي حال المنافقين. والنفاق تتعارض فيه ملكات النفس الإنسانية بأن توجد ملكة كفر في القلب، بينما تجد ملكة إيمان في اللسان فلا يتفق اللسان مع القلب، فالذين آمنوا يوافق ما ينطقون به ما في قلوبهم، والذين كفروا وافقت قلوبهم ألسنتهم.
أما الصنف الثالث : وهم الذين نطقوا بالإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فهؤلاء هم المنافقون، وهو لفظ مأخوذ من " نافقاء الينبوع "، وهو حيوان صحراوي يشبه الفأر، ويخدع من يريد صيده، فيجعل لبيته أو حجره عدة فجوات، فإذا طارد حيوان أو إنسان يدخل من فجوة، فيتوهم الصائد أنه سيخرج منها، ويبقى منتظرا خروجه، بينما يخرج اليربوع من فجوة أخرى، فكأنه خادع الصائد، فالصائد يظن أن للحجر بابا واحدا، ولكن الحقيقة أن للحجر أكثر من مدخل و مخرج. والنفاق بهذه الصورة فيه ظاهرتان : ظاهرة مرضيّة في المنافق وظاهرة صحية في المنافق ؛ ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما نشأ في المدينة.
ومن العجيب أن ينشأ النفاق في المدينة التي آوت الإسلام وانتشر منها، وانساح إلى الدنيا كلها، ولم يظهر في مكة التي أرادت أن تطمس الإسلام، وحارب سادتها وصناديدها الدعوة.
إذن : فلا بد أن نأخذ من النفاق ظاهرتين : الظاهرة الأولى وهي الظاهرة المرضيّة، حيث قال الحق : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا... ( ١٠ ) ( البقرة ).
أما الظاهرة الثانية فهي الظاهرة الصحية، فقد أصبح الإسلام قويّا بالمدينة غيره عند بدء الدعوة في مكة. إنما ينافق القوى١ ؛ لأن المنافق يريد أن ينتفع بقوة القوى، كما أن المنافق يعرف أنه لن يستطيع مواجهة القوى، أو أن يقف منه موقف العداء الظاهر.
إذن : فالنفاق حين يظهر، إنما يظهر في مجالات القوة، لا في مجالات الضعف، فالرجل الضعيف لا ينافقه أحد، والرجل القوي ينافقه الناس. إذن : فالنفاق ظاهرة مرضية بالنسبة للمنافق، وظاهرة صحية في المنافق.
وأراد الحق سبحانه أن يكشف للمؤمنين أمر المنافقين الذين يتلصصون عليهم، أي : يتخذون مسلك اللصوص ؛ في أنهم لا يواجهون إلا في الظلام، ويحاولون لأن يدخلوا من مداخل لا يراهم منها أحد، ويتلمّسون تلك المداخل التي لا تظهر، ويخفون غير ما يظهرون.
أما مواجهة الكافر فهي مسألة واضحة، صريحة ؛ فهو يعلن ما يبطن ويواجهك بالعداء. وأنت تواجه بجميع قوتك وكل تفكيرك ؛ لأنه واضح الحركة، أما المنافق الذي يظهر الإيمان وفي قلبه الكفر، فهو يتلصص عليك، عليك أن تحتاط لمداخله ؛ لأنه ينتظر اللحظة التي يطعنك فيها من الخلف.
وينبهنا الحق إلى ضرورة الاحتياط، وأن يمتلك المؤمنون الفطنة والفراسة وصدق النظر إلى الأشياء، وعدم الانخداع بمظاهر تلك الأشياء، فكشف لنا سبحانه كل أوجه النفاق ؛ كشف منافقي المدينة حيث يوجد منافقون وغير منافقين، ومنافقي الأعراب الذين يوجد بينهم منافقون وغير منافقين، وعلّم الحق سبحانه المؤمنين كيف يتعرفون على المنافقين بالمظاهر التي تكشف ما يدور في صدورهم.
وسبحانه القائل عن المنافقين : ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول... ( ٣٠ ) ( محمد ).
ولكن هناك لون من النفاق، نفاق فني دقيق، يغيب على فطنة المتفطن، وعلى كياسته. ولذلك يوضح لنا سبحانه : أنا لا أكلكم فطنتكم لتعلموا المنافقين، وإنما أنا أعلمه وأنتم لا تعلمونه ؛ لأنهم قد برعوا في النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ورغم فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكياسته فقد أوضح له الحق أنه سيغيب عنه أمرهم ؛ لأنهم احتاطوا بفنية النفاق فيهم حتى لا يظهر.
لقد عبّر القرآن التعبير الدقيق، فقال : مردوا على النفاق والمادة نفسها في كلمة مردوا هي من مرد، يمرد، مرودا، وماردا، ومريدا، هذه المادة تصف الشيء الناعم الأملس الذي لا تظهر فيه نتوءات، ومنه الشاب الأمرد، يعني الذي لم ينبت له شعر يخترق بشرته، إذن : المادة كلها تدل على الثبات على شيء، وعدم وجود شيء فيه يخدش هذا الثبات.
ويوضح سبحانه : تنبّهوا، فمّمن حولكم من الأعراب منافقون، وقوله الحق : وممن حولكم يشعر بأنهم محاطون بالنفاق، ولماذا يحاطون بالنفاق ؟ لأن الدعوات الإيمانية لا تظهر إلا إذا طمّ الفساد في بيئته.
ونعلم أن الحق قد جعل في النفس أشياء تطرد الباطل، وإن ألحّ الباطل عليها فترة، تتنبه النفس إليه وتطرده٢. وهؤلاء هم الذين يتوبون، يقترفون الذنب ثم ترجع إليهم نفوسهم الإيمانية فتردعهم. إذن : فالردع إما أن يكون ذاتيّا في النفس، وإما أن يكون في المجتمع للنفس التي لا يأتيها الردع من الذات، فهي نفس أمّارة بالسوء، وهي لا تأمر بالسوء مرة وتنتهي، بل هي أمّارة به، أي : اتخذت الأمر بالسوء حرفة ؛ لأن صيغة " فعّال :" تدلنا على المزاولة والمداولة.
وإذا كانت المناعة في النفس فهذا أمر يسير ويأتي من النفس اللوامة، وقد يكون المجتمع الذي حول الإنسان هو الذي يردع النفس إن ضعفت في شيء. وبهذا تكون المناعة في المجتمع، أما إذا طمّ الفساد أيضا في المجتمع ؛ فلا النفس تملك راعيا ذاتيّا، ولا المجتمع فيه رادع ؛ هنا لا بد أن تتدخل السماء، وتأتي دعوة الحق بآياتها، وبيناتها، ومعجزة الرسول.
هنا يقف أصحاب الفساد- وتكون نفوسهم أمّارة بالسوء- موقفا ينافقون به القوة الطارئة الجديدة، بينما تظل نفوسهم أمّارة بالسوء، فتظهر ظاهرة النفاق.
وقوله الحق : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة أي أنكم مطوقون في ذاتكم ومن حولكم، فالنفاق في ذات المكان الذي تقيمون فيه، وفيما حولكم أيضا. وأخشى ما يخشاه الإنسان، أن يوجد الأمر الضار وحوله وفيه ؛ لأنه كان الأمر الضار في المكان، ولكن إن كان محاصرا بالضرر ممن حوله ومن المكان الذي يحيا فيه، فإلى أين يذهب ؟
ويريد سبحانه أن ينبه المؤمنين إلى أن ظاهرة النفاق متفشية ؛ منها ما تستطيعون –أيها المؤمنون- معرفته بمعرفة حركات المنافقين وسكناتهم ولحن قولهم وتصرفاتهم٣، ومنها أمر دقيق خفي لا تعلمونه، ولكنه سبحانه يعلمه، ولأنكم غير مسلمين لأنفسكم، ولكم رب يعلمكم ما لا تعلمونه فاطمئنوا ؛ فسوف يفضحهم لكم. ونتيجة هذا العلم أنكم سترون فيهم العقوبات ؛ فيأتي فيهم القول الحق : سنعذبهم مرتين٤ ثم يردون إلى عذاب عظيم .
هم إذن سيعذبون مرتين في الدنيا، ثم يردون لعذاب الآخرة، وأول عذاب لمن يستر نفاقه، ولذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق " ٥ أو تأتي له مصائب الدنيا. ولقائل أن يقول : وهل المصائب عذاب للمنافق، إن المصائب تصيب المؤمن أيضا ؟
ونرد : إن المصائب تأتي للمؤمن لإفادته، ولكنها تأتي للمنافق لإبادته. فالمؤمن حين يصاب ؛ إما أن يكفر الله به عنه ذنبا، و إما أن يرفعه درجة به٦ لكن المصائب حين تصيب المنافق فهي مغرم فقط ؛ لأن المنافق لا يرجو الآخرة، ولذلك يقال :
إن المصائب ليس من أصيب فيما يحب، ولكن المصائب هو ما حرم الثواب.
فإن استقبل المؤمن المصيبة بالرضا، وعلم أن الذي أجارها عليه حكيم، ولا يجرى عليه إلا ما يعلم الخير وإن لم يعلمه ؛ فهو ينال الثواب على الصبر والأجر على الرضا، وهكذا يخرج من دائرة الألم العنيف. أما غير المؤمن فهو يتمرد على القدر، وبعدم إيمانه يحرم من الثواب.
أو أن العذاب مرتين، غير الفضيحة بنفاقهم، فيتمثل في محاولتهم أن يظهروا بمظهر الإيمان والإسلام، فيخرج الواحد منهم من ماله، والمال محبب للنفس ؛ لذلك فهو يخرج الزكاة مرغما، ويشعر أنه قد خسر المال لأنه لا يؤمن بإله ؛ لذلك فمصيبته كبيرة. وقد يرسل المنافق ابنه للحرب وهو يعلم أنه ليس له في ذلك ثواب، وهذا لون آخر من العذاب.
وهذا العذاب متحقق بقول الحق : ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا... ( ٨٥ ) ( التوبة )أو أن يكون العذاب في الدنيا هو ما يرونه حين تغرغر النفس، لحظة أن تبلغ الروح الحلقوم، ويرى المغرغر الملائكة مصداقا لقوله الحق :
ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا والملائكة يضربون وجوههم و أدبارهم وذوقوا عذاب الحريق( ٥٠ ) ( الأنفال )وكل هذه الألوان من العذاب في الدنيا.
والإنسان-كما نعلم- في استقبال الزمن له ثلاث حالات : زمن هو حياته الدنيا، وزمن هو زمن موته، وزمن هو زمن آخرته. فحين يصاب المؤمن في الزمن الأول –زمن حياته- يعزيّه في مصابه الزمن الأخير، وهو زمن آخرته.
٢ يقول تعالى:إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (٢٠١) (الأعراف: ٢٠١) أي استقاموا وصحوا ما كانوا فيه. قاله ابن كثير في ذفسيره (٢/٢٧٩).
٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربوا المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون، ولا يألفون خشب بالليل، صخب بالنهار" أخرجه أحمد في مسنده (٢/٢٩٣) والبراز (٨٥- كشف الأستار) قال الهيثمي في المجمع (١/١٠٢): " فيه عبد الملك بن قدامة الجحمي، وثقة بن معين وغيره وضعفه الدار قطني وغيره".
٤ إحداهما في الدنيا والأخرى في القبر بعرض ما يعذب به في الآخرة..
٥ عن أبي مسعود الأنصاري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ويلم خطبة فمحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"إن فيكم منافقين، فمن سميت فليقم. ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان. حتى سمع ستة وثلاثين رجلا...} أخرجه أحمد في مسنده (٥/٢٧٣) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/٢٨٦) قال الهيثمي في المجمع (١/١١٢):" فيه عياض بن عياض عن أبيه ولم أر من ترجمهما".
٦ عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقفها، إلا رفعه الله بها درجة، أـو ط عنه بها خطيئة" أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٧٢) وأحمد في مسنده (٦/٤٢) والترمذي في سننه (٩٦٥) وقال: حديث حسن صحيح..
تفسير الشعراوي
الشعراوي