وإنما اختار عثمان زيد/اً، لأنه كان يكتب الوحي؛ ولأن قراءته كانت على العرضة الآخرة، ولأنه وهو الذي اختار أبو بكر لجمعه.
قوله: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب منافقون، إلى قوله: إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة منافقون، أي: قوم منافقون.
مَرَدُواْ عَلَى النفاق.
أي: دربوا عليه وخَبُثُوْا.
وقيل: معناه: عتوا، على النفاق. من قولهم: " شَيْطانٌ مَارِدٌ " أي: عاتٍ.
وَمِنْ أَهْلِ المدينة.
أي: من أهلها مثلهم.
وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم مَرَدُواْ. فلا يكن في الكلام على هذا تقديم ولا تأخير. وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير.
قال ابن زيد مَرَدُواْ: أقاموا عليه، ولم يتوبوا.
وقال ابن إسحاق مَرَدُواْ، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره.
لاَ تَعْلَمُهُمْ.
أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتههم.
نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ.
قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردن إلى عذاب الآخرة. قاله ابن عباس: وذكر: أنَّ النبي ﷺ أخرج قوماً من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس منهم، فهذا عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر.
وقال مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع.
والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة.
وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والآخر: عذاب النار.
وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهو غير راضين، والآخرة: عذاب القبر.
ثم قال تعالى: وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً.
والمعنى: ومنهم آخرون: أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ، أي: أقروا بها: خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً، هو إقرارهم وتوبتهم، وَآخَرَ سَيِّئاً، هو تخلفهم عن النبي ﷺ في غزوة تبوك.
والواو [في] قوله: وَآخَرَ، بمعنى: " مع " عند البصريين، كما تقول:
" استوى الماء والخشبة ".
وقال قوم: هي بمعنى: " الباء "، وقدروا " الواو " في " الخشبة " بمعنى: بالخشبة.
وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة " استوى الماء والخشبة "؛ لأن هذا لا يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة " خلطت الماء واللبن "، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية.
قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي ﷺ، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعَةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إلى رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء؟
قال: أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال رسول الله ﷺ: " فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ". فلما بلغهم ذلك قالوا: / ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا. فأنزل الله تعالى: وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ الآية.
فأطلقهم النبي عليه السلام، و عَسَى من الله واجبة ".
وقيل: كانوا ستةً، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لبابة ورجلان معه.
وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوأ أنفسهم ثمانية.
وقال قتادة: كانوا سبعه، وفيهم نزل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا).
وقال مجاهدة هو أبو لبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ أشار لهم إلى حَلقِه، يريد أن رسول الله - ﷺ -، ذابحكم إن نزلتم على حكم الله، سبحانه.
وقال الزهري: نزلت في أبي لبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، - عز وجل -، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشيّاً عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله - ﷺ -، هو الذي يحلني، فجاء رسول الله - ﷺ -، فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول
الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله، قال له النبي - ﷺ -: "يجزيك يا أبا لُبابة الثلث".
والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم.
وقيل: حضورهم بدراً مع النبي - ﷺ -.
(مُنَافِقُونَ)، وقف، إن جعلت (مَرَدُوا)، نعتاً لأهل المدينة"، فإن جعلته نعتاً للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم.
وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لُبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من الأنصار. لما رجع رسول الله - ﷺ -، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، وكان رسول الله
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي