ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

[ هذه ] ١ الآيات من سورة براءة يكاد المفسرون من الصحابة فمن بعدهم يجمعون على أنها نازلة في نقض أهل مكة للعهد الذين عقدوه مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ٢، وذلك يدل على أن بعض هذه الآيات من سورة براءة نزلت قبل التاريخ الذي كنا نقول ؛ لأن هذا نازل قبل عام تسع على القول بأنها في أهل مكة، وعامة المفسرين يقولون : إنها فيهم، ولا نعلم أحدا ممن اشتهر عنهم أخذ العلم يقول في غيرهم إلا القول المروي عن حذيفة بن اليمان ( رضي الله عنه ) أن هذه في قوم لم يقاتلوا بعد وقت نزولها٣. وعلى هذا القول فلا تحفظ تفاصيل لهذا النكث والنقض، بل الظاهر والسياق يقتضي أنها في أهل مكة ؛ لأن قوله : وهموا بإخراج الرسول [ التوبة : آية ١٣ ] الذين هموا بإخراجه هم أهل مكة، وعلى هذا عامة المفسرين.
ومعنى الآية الكريمة : وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم [ التوبة : آية ١٢ ] النكث في لغة العرب : هو تفكيك طاقات الشيء المفتول، فالحبل المفتول – مثلا – إذا فككت طاقاته، وجعلت كل واحدة منها على حدة فقد نكثته، وقد نقضته، كما في قوله : كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكثا [ النحل : آية ٩٢ ] جمع نكث. وعلماء البلاغة يقولون : إن النكث والنقض حقيقة في الحسيات، كل مفتول فككت بين طاقاته فقد نقضته وقد نكثته، وأنها في المعنويات كالعهود مستعارة ٤. ونحن دائما نقول : إنها أساليب عربة نطقت بها العرب منذ تكلمت بلغتها، ونزل بها القرآن، يطلق النكث على تفكيك طاقات الحبل، ويطلقه أيضا على الإخلال بالعهود ونقضها وإبطالها.
وإن نكثوا أيمنهم الأيمان : جمع يمين. قال بعض العلماء : هي العهود ٥. وقال بعض العلماء : هي الأيمان التي تؤكد به العهود ؛ لأنهم إذا أخذت عليهم العهود أكدوها بالأيمان.
وقوله : من بعد عهدهم أي : من بعد العهد الذي عقدوه مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم الطعن في الدين معناه : استنقاصه وثلبه بالمعايب. يقولون : إن دين الإسلام ليس بشيء، أنهم يعيبونه إذا نقضوا العهد وعابوا الدين وثلبوه.
فقتلوا أئمة الكفر الأصل : فقاتلوهم، إلا أن هؤلاء الذين ينقضون العهود ويسبون الدين أجرى الله العادة أنهم الرؤساء المتبوعون ؛ لأن الله أجرى عادته بأن الذين يناصبون الرسل بالعداوة هم القادة المتبوعون المترفون، كما قال تعالى : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها [ الزخرف : آية ٢٣ ] المتنعمون الكبار منها. وهذه سنة الله في خلقه ؛ ولذلك لما سأل هرقل أبا سفيان في حديثه الصحيح المشهور : أأشراف الناس يتبعونه أم ضعافهم ؟ فقال : بل ضعافهم. قال : أولئك أتباع الأنبياء ٦. وهذه سنة الله في كونه ؛ ولذا قال : فقتلوا أئمة الكفر .
قرأ هذا الحرف من السبعة نافع وابن كثير وابن عامر : أئمة الكفر بجعل الهمزة الأخيرة بين بين ٧، وقرأه عامة الباقين من السبعة : أئمة بتحقيق الهمزتين.
والأئمة جمع إمام، وأصله : أأممه وزنه ( أفعلة ) جمع ( فعال ) كمقال وأمثلة. توصل فيه إلى الإدغام بتسكين الميم الأولى، ونقلت حركتها إلى الهمزة فقيل فيه :( أئمة ) ٨ والأئمة جمع الإمام، والإمام هو : المقتدى به. وللكفر أئمة يقتدى بهم فيه – والعياذ باه – كما قال تعالى : وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار الآية [ القصص : آية ٤١ ].
فقتلوا أئمة الكفر أي : رؤساء الكفر وعظماءه الذين عابوا دينكم ونقضوا عهودكم. والعادة أن الذي يتصدى لتكذيب الرسل وعنادهم وعداوتهم الرؤساء المتبوعون، شياطين الإنس. وما جرى على ألسنة كثير من العلماء هنا أنهم : أبو جهل وأمية بن خلف وسهيل بن عمرو إلى أشراف المذكورين في غزوة بدر، فهو خلاف الظاهر ٩ للإجماع على تأخر هذه الآيات كثيرا إلى عام تسع، أو إلى أنها نزلت قبل الفتح عام ثمان، وهذا معنى قوله : إنهم لا أيمن لهم .
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر : إنهم لا أيمن لهم بفتح الهمزة. وهم جمع يمين، وقرأه ابن عامر من السبعة : إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون ١٠.
فعلى قراءة الجمهور ١١ : لا أيمن لهم جمع يمين، التحقيق فيها : أن نفي أيمانهم على قراءة الجمهور إنما يراد به أنهم لا يوفون بها وهي عندهم كلا أيمان ؛ لأنهم ينقضونها، وهذا أسلوب عربي معروف ؛ تقول العرب لمن يكذب وينقض العهود : لا تغتر بيمين هذا فلا يمين له، يعني : لا يفي بها ولا يبرها ولا يوفي بعهد، وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول الحماسي ١٢ :

وإن حلفت لا ينقص البين عهدها فليس لمخضوب البنان يمين
يعني ليس للنساء أيمان ؛ لأنهن ينقضنها غالبا. هذا مراده.
وقد تمسك الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – بظاهر هذه الآية فقال : لا تقبل يمين من كافر، ويمين الكافر كلا شيء، فلا يمين له، لأن الله يقول : إنهم لا أيمن لهم ١٣.
وعلى قراءة ابن عامر : إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون ففي معنى الآية الكريمة وجهان واضحان معروفان من التفسير :
أحدهما : أن المراد بالإيمان المنفي عنهم هو الإيمان الذي هو دين الإسلام، يعني : لا إسلام لهم ولا دين.
القول الثاني :- وهو أظهرهما – أنه مصدر :( آمنه يؤمنه إيمانا ) إذا أمنه وجعله في مأمن. فالعرب تقول : " آمنت فلانا أومنه " معناه : أمنته وجعلت له الأمان، وهو معنى مشهور في كلام العرب ؛ منه قول الشاعر ١٤ :
أيان نؤمنك تؤمن غيرنا وإذا لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا
وهذا أظهر القولين ؛ لأن نفي الإيمان عن أئمة الكفر معروف واضح، وهذا معنى قوله : إنه لا أيمن لهم لعلهم ينتهون .
قوله : لعلهم ينتهون متعلق بقوله : فقتلوا أئمة الكفر فقاتلوهم لأجل أن يكون قتالكم لهم رادعا وسببا لانتهائهم.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ١٥ أن من أشهر معاني ( لعل ) في القرآن معنيان :
أحدهما : أنها على معناها الظاهر من الترجي، والمعنى : قاتلوهم على رجائكم أن ذلك القتال بكون موجبا لانتهائهم عن الكفر والطعن في الدين، وهذا بحسب ما يظهر للناس الذين يجهلون العواقب، أما الله ( جل وعلا ) فهو عالم بما كان وما يكون، وعلى هذا المعنى فقوله : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر [ طه : آية ٤٤ ] أي : رجائكما بقدر علمكما أن يكون ذلك سببا لأن يتذكر أو يخشى.
الوجه الثاني : هو ما قاله بعض علماء التفسير من أن كل ( لعل ) في القرآن فهي بمعنى : التعليل، إلا التي في الشعراء وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ( ١٢٩ ) [ الشعراء : آية ١٢٩ ] قالوا : هي بمعنى كأنكم تخلدون. وإتيان " لعل " بمعنى التعليل معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر ١٦ :
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق
فقوله : " كفوا الحروب لعلنا نكف " أي : كفوا لأجل أن نكف عنكم.
وقوله : ينتهون أي : يرتعدون ويكفرون وينزجرون عما هم عليه من الكفر والطعن في الدين.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة من سورة براءة : أن الذي يطعن في دين الإسلام بلسانه ويستخف به أنه يقتل ١٧، أما إذا كان ذميا عقدت له ذمة المسلمين فطعن في الإسلام أو سب النبي صلى الله عليه وسلم فالجمهور على أنه يقتل ١٨ ؛ لأن ذلك ينتقض به عهده ويبطل به عهده. وقال بعض العلماء : إنه لا يقتل ولكنه يؤدب ويعزز ؛ أنه أعطي له الأمان وهو على كفره. والأول أظهر. وهذا معنى قوله : إنهم لا أيمن لهم لعلهم ينتهون أي : قاتلوهم لعلهم ينتهون عن كفرهم.
١ في هذا الموضع وجد انقطاع يسير في التسجيل وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام..
٢ انظر: ابن جرير (١٤/ ١٥٤)، القرطبي (٨/ ٨٤)..
٣ أخرجه ابن جرير (١٤/ ١٥٦)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٦١)، وأورد البغوي (٢/ ٢٧٢) عن مجاهد قوله: "هم أهل فارس والروم"..
٤ انظر: المفردات (مادة: نكث) (٨٢٢)، القرطبي (٨/ ٨١)، فتح القدير (٢/ ٣٤١)، التحرير والتنوير (٩/ ٧٣)..
٥ انظر: ابن جرير (١٤/ ١٥٦)..
٦ مضى عند تفسير الآية (٩٣) من سورة الأنعام..
٧ قال ابن مجاهد في كتاب السبعة ص ٣١٢: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (أيمة) بهمز الألف وبعدها ياء ساكنة. غير أن نافعا يختلف عنه في ذلك... وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: (أئمة)" بهمزتين ا. هـ وانظر: المبسوط لابن مهران ص ٢٢٥، النشر (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩) وقد فصل في كيفية تسهيل الهمزة الثانية، ونقل مذاهب القراء في ذلك..
٨ انظر: القرطبي ()٨/ ٨٤، حجة القراءات ص ٣١٥، الدر المصون (٦/ ٢٥)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ٢٧..
٩ انظر: ابن جرير (١٤/ ١٥٤)، ابن عطية (٨/ ١٤١)، القرطبي (٨/ ٨٤)، فتح القدير (٢/ ٣٤١)..
١٠ انظر: السبعة ص (٣١٢)، المبسوط لابن مهران ص (٢٢٥)..
١١ في توجيه القراءتين انظر: ابن جرير (١٤/ ١٥٧)، القرطبي ()٨/ ٨٥، حجة القراءات ص (٣١٥)، الدر المصون (٦/ ٢٥)..
١٢ البيت في القرطبي (٨/ ٨١)، الدر المصون وفي القرطبي: "لا ينقض النأي" وفي الدر المصون: "لا تنقض الدهر"..
١٣ انظر: المبسوط للسرخسي (٨/ ١٤٧)..
١٤ البيت في البحر المحيط (٤/ ٤١٩)، الدر المصون (٥/ ٥٢٩)..
١٥ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة..
١٦ ايابق..
١٧ انظر: القرطبي (٨/ ٨٢)..
١٨ السابق: (٨/ ٨٣)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير