الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قوله تعالى : مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ من عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ : أَيْ مَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، وَإِنَّمَا كَانَ النَّفِيرُ مِنْهُمْ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِنْفَارُ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ، وَخَصَّ هَؤُلَاءِ بِالْعِتَابِ لِقُرْبِهِمْ وَجِوَارِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ من غَيْرِهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ : دَلِيلٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُسْتَحَقُّ بِالْإِدْرَابِ وَالْكَوْنِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ ؛ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمُهُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا كَتَبَ لَهُ بِالْآخِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ السَّهْمَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
أحكام القرآن
ابن العربي