يقول الحق بعد ذلك : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفس ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ(١) ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ١٢٠ ) .
والحديث هنا فيه رجوع إلى الذين تخلفوا عن الغزوة، وعرفنا من قبل أنك ساعة تقول :" ما كان لك أن تفعل كذا " أي : أنك تنفي القدرة على الفعل أما إن قلت :" ما ينبغي " أي : عندك قدرة على الفعل، ولا يجب أن تفعله.
وهنا يقل الحق : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله وبعضهم قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو.
ثم يقول سبحانه : ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه وهنا حديث عن نوعين من الأنفس : أنفس من قالوا بالتخلف، ونفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت إذا قلت :" رغبت "، معناها : أنك ملت ميلا قلبيا، فإن قلت : " رغبت في " كان الميل القلبي إلى ممارسة الفعل وفيها التغلغل، أمنا إن قلت : " رغبت عن " وفيها التجاوز، هذا يعني أن الميل القلبي بهدف الابتعاد عن الفعل. إذن : فحرف الجر هو الذي يحدّد لون الميل القلبي.
وقوله الحق : ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي : أنهم زهدوا في أمر صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضّلوا أمر نفوسهم على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبين الحق لهم أنهم ما كان لهم أن يفعلوا ذلك ؛ لأنكم ما دمتم آمنتم بالله، فإيمانكم لا يكمل حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليكم من نفوسكم(٢).
ولذلك نجد سيدنا عمر رضي الله عنه لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " (٣)، فقال : يا رسول الله، أنا أحبك عم أهلي وعن مالي إنما عن نفسي، فلا. وهكذا كان صدق عمر رضي الله عنه، فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم القول : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". فعلم عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حازم في هذه القضية الإيمانية، وعلم أن الحب المطلوب ليس حب العاطفة إنما هو حب العقل ؛ وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل ؛ فحب العاطفة لا تكليف فيه، لكن حب العقل يأتي بالتكليف.
وعلى سبيل المثال : فأنت تحب ابنك بعاطفتك، حتى وإن لم يكن ذكيّا، لكنك تحب بعقلك ابن عدوك إن كان ذكيّا وأمينا وناجحا. وضربنا المثل من قبل وقلنا : إن الإنسان قد يحب الدواء المرّ، لأن فيه الشفاء، والإنسان لا يحب هذا الدواء بعواطفه، ولا يتلذذ به وهو يشربه، بل يحبه بعقله ؛ لأن هذا الدواء قد يكون السبب في العافية، وإن لم يجده في الصيدليات يغضب ويشكوا، ويسر بمن يأتي له به من البلاد الأخرى.
إذن : فالذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة أو ممن حولهم ما كان لهم أن يتخلفوا ؛ لأن هذا يناقض إيمانهم في أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم، وكان من الواجب أن يرغبوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنفسهم، أما أن يكون الأمر بالعكس، فلا. لأن إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يأتي بالخير(٤).
أما إتباع حبهم لأنفسهم فهو ضيق البصيرة، سيأتي لهم بالشرور، وإن جاء لهم بخيره موقوت، وبحسب إمكاناتهم، ولكن حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنفسهم يأتي لهم بالخير الثابت الدائم الذي يتناسب مع قدرة الله سبحانه.
ثم يقول سبحانه : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظلما و ذلك إشارة حيثيات الترغيب التي يأخذون بها الجزاء الطيب من الحق سبحانه بأنهم لا يصيبهم ظلما ، ونعلم أن الظمأ قد أصابهم في جيش العسرة لدرجة أن المقاتل كان يذبح البعير، ويصفي الماء الذي في معدته ليبلّ ريقه، وريق زملائه.
ولا نصب والنّصب : هو التعب، وكانت الغزوة في جو حار مرهق. ولا مخمصة أي : المجاعة، وقد كانوا يأكلون التمر الذي أصابه الدود، والشعير الذي انتشر فيه السوس. وإن كانوا قد عانوا من كل ذلك فهو في سبيل الله القادر على أن يمنّ عليهم بكل خير جزاء لما يقدمونه في سبيل نصرته.
ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار نعلم أن الكفار كان لهم رقعة من الأرض يتمركزون فيها، فحين يغير عليهم المؤمنون ويزحزحونهم عن هذا المكان، وينزلون إلى الوديان والبساتين التي يملكها الكفار، فهذا أمر يغيظ أهل الكفر، إذن : فهم حين يطأون موطئا فهذا يغيظ الكفار.
ولا ينالون من عدو نيلا أي : يأخذون من عدو منالا، والمعنى : أن يقهروا العدو فيتراجع ويشعر بالخسران، حينئذ يأخذون الجزاء الخيّر من الله، وكل ما حدث أن الظمأ والنصب والمخمصة ووطء يغيظ الكفار والنيل من عدوهم نيلا، كل واحدة من هذه الأحداث لها جزاء يحدده الحق : إلا كتب لهم به عمل صالح .
إذن : فالذين رغبوا عن رسول الله بأنفسهم ولم يخرجوا للغزوة قد خسروا كثيرا ؛ وخسروا ما كتبه الحق سبحانه من عمل صالح جزاء لكل حادث قابله من خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم(٥).
و ينهي الحق سبحانه الآية : إن الله لا يضيع أجر المحسنين فهؤلاء الذين أحسنوا لا يضيع الله أجرهم أبدا.
٢ عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" أخرجه البخاري في صحيحه (١٦) ومسلم (٤٣).
٣ أخرجه البخاري في صحيحه (٦٦٣٢) وأحمد في مسنده (٤/٢٣٣) وفي إسناد أحمد ابن لهيعة ولكن تابعه حيوة عن زهرة بن معبد. وباقي الحديث هنا مروى بالمعنى..
٤ وفي هذا يقول رب العزة:يا أيها الذين آمنا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم....(٢٤) (الأنفال) أي: يحيي دينكم وقلوبكم. وقد روى البخاري في صحيحه(٤٦٤٧) عن أبي سعيد بن المعلّي قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيت فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي. فقال صلى الله عليه وسلم:"ألم يقل الله عز وجل: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ثم قال صلى الله عليه وسلم: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرت له فقال صلى الله عليه وسلم: هي الحمد لله رب العالمين، السبع المثاني"..
٥ هذه الآية تقتضي وجوب النفير على آحاد المسلمين وقد قال بعض العلماء: إنها منسوخة بالآية الآتية بعد وما كان المؤمنون لينفروا كافة... ١٢٢ (التوبة) وقال قتادة: كان هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة. وقال آخرون: إنها محكمة. قال القرطبي: قول قتادة حسن، بدليل غزوة تبوك. انظر: تفسير القرطبي (٤/٣٢١٧).
تفسير الشعراوي
الشعراوي