قال : ابن مسعود : إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجز له اقرأ إن شنم وقرأ هذه الآية ما كان لأهل المدينة ظاهرة خبر ومعناه نهي كقوله تعالى :" وما لكم أن تؤذوا رسول الله }١ ومن حولهم من الأعراب سكان البوادي مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه الشريفة ولا يرغبوا ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي : لا يضنوا أنفسهم عما لا يضمن نفسه عنه ذلك إشارة إلى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف يعني ذلك النهي بأنهم أي : بسبب أنهم لا يصيبهم ظمأ أي : شيء من العطش ولانصب تعب ولا مخمصة مجاعة في سبيل الله أي معاونة رسوله والجهاد لإعلاء دينه ولا يطأون موطئا مصدر أو ظرف أي : يدوسون دوسا أو يذهبون أرضا يغيظ الكفار وطئهم إياها ولا ينالون من عدو نيلا قتلا أو أسرا أو نهيا أو غنيمة إلا كتب لهم به عمل صالح أي : استوجبوا به الثواب وذلك مما يوجب المشايعة والانتهاء عن التخلف إن الله لا يضيع اجر المحسنين على إحسانهم وهو تعليل لكتب وتنبيه على أن الجهاد إحسان أما في حق الكفار فلأنه سعى تكميلهم وإنقاذهم من النار بأقصى ما يمكن كالضرب للمجنون وتأديب الصبي وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم عن يطوة الكفار واستيلائهم، عن أبي عبس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله تعالى على النار " ٢ رواه البخاري في الصحيح وأحمد والترمذي والنسائي، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله " ٣متفق عليه، قال البغوي : اختلفوا في حكم هذه الآية، قال : قتادة : هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعد فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المؤمنين يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة، وقال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعد بن عبد العزيز يقولون : هذه الآية لأول هذه الأمة وآخرها، وقال ابن زيد : هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله تعالى وأباح التخلف لمن شاء وقال وما كان المؤمنون ليغزوا كافة، قلت : اتفق الأئمة على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به جماعة من المسلمين وحصل بهم الكفاية سقط عن الباقين، وعن سعيد بن المسيب أنه فرض عين للعمومات الواردة في الجهاد وما ورد التغليظ في المتخلفين عن غزوة تبوك فلنا عند النفير العام يكون فرضا على الأعيان بالإجماع كما في غزوة تبوك وإلا فهو فرض كفاية لقوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدين في سبيل الله إلى قوله : وكلا وعد الله الحسنى ٤وقوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة كما فعل عثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف وغيرهما في جيش العسرة
٢ أخرجه البخاري في كتاب، الجمعة، باب: المشي إلى الجمعة (٩٠٧)، وأخرجه النسائي في كتاب: الجهاد، باب: ثواب من اغبرت قدماه في سبيل الله(٣١٠٧)، وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل من أغبرت قدماه في سبيل الله (١٦٣٦)...
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله(٢٧٨٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى (١٨٧٨)..
٤ سورة النساء، الآية: ٩٥..
التفسير المظهري
المظهري