ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﱿ

ثم ختم السورة بذكر محاسن نبيه –عليه الصلاة والسلام- ؛ لما ظهر عليه في هذه السورة من الرحمة والرأفة بالمؤمنين، ومن العفو والصفح عن المعتذرين، فقال :
لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
قلت :" عزيز " : صفة " الرسول "، و " عنتم " : فاعله، و " ما " : مصدرية، أي : عزيز عليه عَنَتُكُم، أو عزيز : خبر مقدم، و " ما عنتم " مبتدأ، والعنت : المشقة والتعب.
يقول الحق جل جلاله : مخاطباً العرب، أو قريش، أو جميع بني آدم : لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم ؛ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، أي : من قبيلتكم، بحيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته، وتفهمون خطابه، أو من جنسكم من البشر. وقرأ ابن نشيط : بفتح الفاء، أي : من أشرافكم. قال صلى الله عليه وسلم :" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةًَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشاً مَنْ كِنَانَةَ، واصْطَفَى بَنِي هَاشِم مِنْ قُريْشٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم، فأنا مُصْطَََفى من مُصْطَفَيْن ".
عزيزٌ عليه ، أي : شديد شاق عليه ما عَنِتُّمْ أي : عنتكم ومشقتكم ولقاؤكم المكروه في دينكم ودنياكم. حريصٌ عليكم أي : على إيمانكم وسعادتكم وصلاح شأنكم، بالمؤمنين منكم ومن غيركم رؤوف رحيم أي : شفيق بهم، قدَّم الأبلغ منهما ؛ لأن الرأفة شدة الرحمة ؛ للفاصلة. وسمى رسوله هنا باسمين من أسمائه تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ينبغي لورثته ـ عليه الصلاة والسلام ـ الداعين إلى الله، أن يتخلقوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فيشق عليهم ما ينزل بالمؤمنين من المشاق والمكاره، وييسرون ولا يعسرون عليهم، ويحرصون على الخير للناس كافة، ويبذلون جهدهم في إيصاله إليهم، ويرحمونهم ويشفقون عليهم، فإن أدبروا عنهم استغنوا بالله وتوكلوا عليه، وفرضوا أمرهم إليه، من غير أسف ولا حزن.
وقال الورتجبي : قوله تعالى : عزيز عليه ما عنتم ، اشتد عليه مخالفتنا مع الحق، ومتابعتنا هوانا واحتجابنا عن الحق. قال بعضهم : شق عليه ركوبكم مراكب الخلاف.
قال سهل : شديد عليه غفلتكم عن الله وهو طرفة عين. ثم قال في قوله تعالى : فإن تولوا فقل حسبي الله... الآية : سَلى قلبه بإعراضهم عن متابعته، مع كونه حريصاً على هدايتهم، أي : ففي الله كفاية عن كل غير وسِوى.
قال القشيري : أمَره أن يَدْعُو الخَلْقَ إلى التوحيد، ثم قال له : فإِنْ أَعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا، بنعت التجريد. ويقال : قال له : يا أيها النبي حسبك الله ، ثم أمره أن يقول : حسبي الله. قوله تعالى : حسبك : عين الجمع، وقوله : حسبي الله فَرْق، بل هو الجمع، أي : قُلْ، ولكن بنا تقول، فنحن المتولون عنك وأنت مُستَهْلَكٌ في عين التوحيد ؛ فأنت بنا، ومَحْوٌ عن غيرنا. هـ.
وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير