( ١ ) عزيز عليه : يصعب ويشق على نفسه.
( ٢ ) ما عنتم : ما شق عليكم وسبب لكم العنت. أو ضلالكم على رأي بعض المفسرين.
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ( ١ ) مَا عَنِتُّمْ ( ٢ ) حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١٢٨ ) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( ١٢٩ ) ( ١٢٨ – ١٢٩ ).
وجه الخطاب في الآية الأولى إلى السامعين والعرب عامة بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاءهم هو منهم يشق عليه ضلالهم وما يصيبهم من أذى وعنت ويحرص كل الحرص على خيرهم وصالحهم، وهو شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين المخلصين منهم.
ووجه الخطاب في الآية الثانية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التطمين والتثبيت والاستدراك : فإذا أعرض بعض الناس عنه وعما يدعوهم إليه بعد ما بان لهم من شدة إشفاقه عليهم وحرصه على صالحهم وخيرهم وهدايتهم فليهتف بأن حسبي الله الذي لا إله إلا هو فهو كافيني وكاف عني وإني متوكل عليه وحده. فهو رب العرش العظيم والملك المتصرف في الأكوان مطلق التصرف.
ومع اختلاف التوجيه في الخطاب فالآيتان وحدة تامة كما هو المتبادر.
تعليق على الآية :
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.......................
والآية التالية لها وما فيها من صور وتلقين
وما روي في صددهما من روايات، وتمحيص
رواية مكيتهما ومدنيتهما ومسألة كونهما آخر القرآن نزولا
لقد كثرت الروايات والأقوال في صدد هاتين الآيتين ومداهما. فالمصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أنهما مكيتان. ولم نر في كتب التفسير تأييدا لهذه الرواية إلا في تفسير المنار عزوا إلى ابن أبي الفرس. وهذا ورد أيضا في كتب الإتقان عزوا إلى ابن الغرس ( ١ )١.
ولعل أحد الاسمين مصحف عن الثاني. ولا يذكر رشيد رضا ولا مؤلف الإتقان قبله صفة كلام ابن أبي الفرس وسنده إن كان لغيره. وقد رجح رشيد رضا مكية الآيتين معللا ذلك : بأن معناهما لا يظهر في دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام في مكة في أول البعثة. ومعنى كلام ابن أبي الفرس وترجيح رشيد رضا أن الآيتين وضعتا في آخر سورة براءة دون أن تكونا منها.
وهناك حديث يرويه المفسرون في صدد وضع الآيتين في موضعهما عن عبد الله بن الزبير قال ( ٢ )٢ : أتى الحارث بن خزيمة الأنصاري بهاتين الآيتين إلى عمر بن الخطاب فقال :( من معك على هذا ( ٣ )٣، قال : لا أدري والله إني لأشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيتهما وحفظتهما فقال عمر : إني لأشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدتها. فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعوها في آخر براءة ). وهذا الحديث ليس من الصحاح. ولا يفيد أن الآيتين مكيتان أم مدنيتان. ويفيد أنهما كانتا منفردتين لم يكن معروفا وقت نزولهما ولا السياق والسورة التي كانتا فيها.
مقابل هذا هناك حديث عن أبي بن كعب أحد علماء وقراء القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرويه المفسرون من طرق عديدة وبصيغ متقاربة. جاء في إحداها التي رواها عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير تفيد أن الآيتين مدنيتان وآخر ما نزل من القرآن، بل وقد تفيد بقوة أنهما كانتا في آخر سورة براءة وتقرآن بعد الآية التي قبلها وهذا نصها ( ١ )٤ :( إنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون وأبي يملي عليهم فلما انتهوا إلى الآية : ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ( ١٢٧ ) ، ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقرأني بعدها آيتين – هما الآيتان اللتان نحن في صددهما – ثم قال : هذا آخر ما نزل من القرآن )، وهذا الحديث لم يرد في الصحاح. وهناك حديث رواه البخاري فيه حكاية لتكليف أبي بكر وعمر إياه بجمع القرآن وتتبعه ؛ حيث جاء فيه :( فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة براءة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ) ( ٢ )٥. والمهم في بحثنا هو العبارة الأخيرة التي قد تفيد أن زيدا كان يعرف أن الآيتين هما آخر سورة براءة.
وتعقيبا على ما تقدم نقول :
أولا : إنه ليس من الضروري أن لا يظهر معنى الآيتين إلا في أوائل عهد مكة كما قال رشيد رضا. فإنه كان في العهد المدني مواقف من المنافقين والمشركين تتحمل معناهما.
وثانيا : إننا نلمح بكل قوة أن الآيتين متصلتان بالسياق السابق لهما الذي احتوى صورا لمواقف خبيثة للمنافقين فأوحى الله بهما معقبتين على هذه المواقف لتذكر أولاهما الناس بالصفات العظيمة التي اتصف بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاءهم. ولتسلي ثانيتهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يغتم ولا يعبأ بمواقف المنافقين والمشركين، وأن يقول إذا أصروا عليها وتولوا ( حسبي الله وعليه توكلت ).
وما روي عن أبي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرأه إياهما بعد الآيتين السابقتين لهما. وما روي عن زيد قوله : إنهما آخر سورة براءة يدعمان ذلك. وإذا كان حديث أبي لم يرد في الصحاح فإنه يلتقي مع حديث زيد الذي رواه البخاري. وهذا يسوغ التوقف في الحديث المروي عن عبد الله بن الزبير في صدد وضعهما في آخر سورة براءة ارتجالا. وهناك دلائل قرآنية وأحاديث نبوية وصحابية كثيرة تفيد أن القرآن كان يدون أولا بأول ثم يسجل في قراطيس وتوضع آياته وفصوله التي كانت تنزل لحدة في السور بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن سوره رتبت حسب ما هي الآن في المصحف في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبأمره. وأنه كان لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصاحف مرتبة حسب المصحف وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يحفظون ويقرأون والقرآن حسب ترتيب المصحف أيضا بحيث يقال في صدد ما جاء في حديث البخاري عن زيد إنما أريد تدوين مصحف إمام بعد انقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون محفوظا عند الخليفة ومرجعا، وأنه تتبع ما عند الناس في القراع وفي الصدور من قرآن زيادة في الحرص على ضبط هذا المصحف وقد لا يكون أحد غير أبي خيثمة كتب الآيتين في رقعة لحدتهما فكان ذلك مما عني في الحديث. والله تعالى أعلم.
ولما كنا نميل إلى اعتبار حديث أبي وصحته لاتساقه مع سياق الآيات ودعم حديث زيد الذي رواه البخاري له فإننا نميل إلى فهم قوله : إن الآيتين هما آخر ما نزل من القرآن بكون سورة براءة من آخر ما نزل من القرآن فيكون آخرها كذلك ؛ لأن هناك أحاديث عديدة منها ما ورد في الصحاح نذكر آيات أخرى كآخر ما نزل من القرآن، ومن ذلك آيات الربا والدين في سورة البقرة على ما ذكرناه في سياق تفسيرها. والله تعالى أعلم.
والآية الأولى من روائع آيات القرآن في الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقرير ما اتصف به من كريم الصفات وعظيم الأخلاق وكبر القلب الذي امتلأ برا وخيرا وحلما وإشفاقا ورأفة ورحمة وحرصا بالعرب والمؤمنين. ولعلها من هذه الناحية أروع ما في القرآن وأدل ما فيه على عظمة خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمال صفاته وكبر قلبه وعمق إخلاصه وشدة رغبته في هداية العرب وخيرهم وإنقاذهم. ولما كانت هذه الآية على الأرجح من آخر ما نزل من القرآن أو آخره فهي خاتمة رائعة بعيدة المدى والمغزى لكتاب الله المجيد الذي أنزله الله تعالى على رسوله العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.
ومع أن كمال هذه الصفات الكريمة مما يمكن أن يكون مختصا بمن علم الله أنه أهل لرسالته العظمى، فإن في الآية تلقينا لما يجب أن يكون عليه أولياء أمور المسلمين من صفات وأخلاق وحثا على الاقتداء بها ما داموا قد تولوا زمام هذه الأمور وقاموا مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها كما أن من شأنها أن تكون مقياسا لأهلية وصلاح وإخلاص أولياء أمور المسلمين ودعاتهم وقادتهم ودليلا عليها.
هذا، ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثانية حديثا عن أبي الدرداء رواه أبو داود أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه ) ( ١ )٦. والصيغة بمثابة دعاء والتماس من الله عز وجل. وقد قال الله : ادعوني أستجب لكم . وفيها على كل حال بعث لطمأنينة النفس وسكونها.
ولقد وقف المفسرون عند جملة : من أنفسكم وأوردوا بعض الأحاديث والروايات في صدد شمول الصلات الرحمية والقبلية بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومختلف قبائل العرب أو بطون قريش. وما ينطوي في ذلك من شدة الباعث على حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هداية قومه. ولقد كتبنا تعليقا على هذا في سياق الآية ( ١١٣ ) من سورة النحل وأوردنا طائفة مما روي من أحاديث وروايات فنكتفي بهذا التنبيه.
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ( ١ ) مَا عَنِتُّمْ ( ٢ ) حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١٢٨ ) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( ١٢٩ ) ( ١٢٨ – ١٢٩ ).
وجه الخطاب في الآية الأولى إلى السامعين والعرب عامة بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاءهم هو منهم يشق عليه ضلالهم وما يصيبهم من أذى وعنت ويحرص كل الحرص على خيرهم وصالحهم، وهو شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين المخلصين منهم.
ووجه الخطاب في الآية الثانية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التطمين والتثبيت والاستدراك : فإذا أعرض بعض الناس عنه وعما يدعوهم إليه بعد ما بان لهم من شدة إشفاقه عليهم وحرصه على صالحهم وخيرهم وهدايتهم فليهتف بأن حسبي الله الذي لا إله إلا هو فهو كافيني وكاف عني وإني متوكل عليه وحده. فهو رب العرش العظيم والملك المتصرف في الأكوان مطلق التصرف.
ومع اختلاف التوجيه في الخطاب فالآيتان وحدة تامة كما هو المتبادر.
تعليق على الآية :
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.......................
والآية التالية لها وما فيها من صور وتلقين
وما روي في صددهما من روايات، وتمحيص
رواية مكيتهما ومدنيتهما ومسألة كونهما آخر القرآن نزولا
لقد كثرت الروايات والأقوال في صدد هاتين الآيتين ومداهما. فالمصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أنهما مكيتان. ولم نر في كتب التفسير تأييدا لهذه الرواية إلا في تفسير المنار عزوا إلى ابن أبي الفرس. وهذا ورد أيضا في كتب الإتقان عزوا إلى ابن الغرس ( ١ )١.
ولعل أحد الاسمين مصحف عن الثاني. ولا يذكر رشيد رضا ولا مؤلف الإتقان قبله صفة كلام ابن أبي الفرس وسنده إن كان لغيره. وقد رجح رشيد رضا مكية الآيتين معللا ذلك : بأن معناهما لا يظهر في دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام في مكة في أول البعثة. ومعنى كلام ابن أبي الفرس وترجيح رشيد رضا أن الآيتين وضعتا في آخر سورة براءة دون أن تكونا منها.
وهناك حديث يرويه المفسرون في صدد وضع الآيتين في موضعهما عن عبد الله بن الزبير قال ( ٢ )٢ : أتى الحارث بن خزيمة الأنصاري بهاتين الآيتين إلى عمر بن الخطاب فقال :( من معك على هذا ( ٣ )٣، قال : لا أدري والله إني لأشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيتهما وحفظتهما فقال عمر : إني لأشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدتها. فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعوها في آخر براءة ). وهذا الحديث ليس من الصحاح. ولا يفيد أن الآيتين مكيتان أم مدنيتان. ويفيد أنهما كانتا منفردتين لم يكن معروفا وقت نزولهما ولا السياق والسورة التي كانتا فيها.
مقابل هذا هناك حديث عن أبي بن كعب أحد علماء وقراء القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرويه المفسرون من طرق عديدة وبصيغ متقاربة. جاء في إحداها التي رواها عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير تفيد أن الآيتين مدنيتان وآخر ما نزل من القرآن، بل وقد تفيد بقوة أنهما كانتا في آخر سورة براءة وتقرآن بعد الآية التي قبلها وهذا نصها ( ١ )٤ :( إنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون وأبي يملي عليهم فلما انتهوا إلى الآية : ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ( ١٢٧ ) ، ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقرأني بعدها آيتين – هما الآيتان اللتان نحن في صددهما – ثم قال : هذا آخر ما نزل من القرآن )، وهذا الحديث لم يرد في الصحاح. وهناك حديث رواه البخاري فيه حكاية لتكليف أبي بكر وعمر إياه بجمع القرآن وتتبعه ؛ حيث جاء فيه :( فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة براءة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ) ( ٢ )٥. والمهم في بحثنا هو العبارة الأخيرة التي قد تفيد أن زيدا كان يعرف أن الآيتين هما آخر سورة براءة.
وتعقيبا على ما تقدم نقول :
أولا : إنه ليس من الضروري أن لا يظهر معنى الآيتين إلا في أوائل عهد مكة كما قال رشيد رضا. فإنه كان في العهد المدني مواقف من المنافقين والمشركين تتحمل معناهما.
وثانيا : إننا نلمح بكل قوة أن الآيتين متصلتان بالسياق السابق لهما الذي احتوى صورا لمواقف خبيثة للمنافقين فأوحى الله بهما معقبتين على هذه المواقف لتذكر أولاهما الناس بالصفات العظيمة التي اتصف بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاءهم. ولتسلي ثانيتهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يغتم ولا يعبأ بمواقف المنافقين والمشركين، وأن يقول إذا أصروا عليها وتولوا ( حسبي الله وعليه توكلت ).
وما روي عن أبي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرأه إياهما بعد الآيتين السابقتين لهما. وما روي عن زيد قوله : إنهما آخر سورة براءة يدعمان ذلك. وإذا كان حديث أبي لم يرد في الصحاح فإنه يلتقي مع حديث زيد الذي رواه البخاري. وهذا يسوغ التوقف في الحديث المروي عن عبد الله بن الزبير في صدد وضعهما في آخر سورة براءة ارتجالا. وهناك دلائل قرآنية وأحاديث نبوية وصحابية كثيرة تفيد أن القرآن كان يدون أولا بأول ثم يسجل في قراطيس وتوضع آياته وفصوله التي كانت تنزل لحدة في السور بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن سوره رتبت حسب ما هي الآن في المصحف في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبأمره. وأنه كان لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصاحف مرتبة حسب المصحف وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يحفظون ويقرأون والقرآن حسب ترتيب المصحف أيضا بحيث يقال في صدد ما جاء في حديث البخاري عن زيد إنما أريد تدوين مصحف إمام بعد انقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون محفوظا عند الخليفة ومرجعا، وأنه تتبع ما عند الناس في القراع وفي الصدور من قرآن زيادة في الحرص على ضبط هذا المصحف وقد لا يكون أحد غير أبي خيثمة كتب الآيتين في رقعة لحدتهما فكان ذلك مما عني في الحديث. والله تعالى أعلم.
ولما كنا نميل إلى اعتبار حديث أبي وصحته لاتساقه مع سياق الآيات ودعم حديث زيد الذي رواه البخاري له فإننا نميل إلى فهم قوله : إن الآيتين هما آخر ما نزل من القرآن بكون سورة براءة من آخر ما نزل من القرآن فيكون آخرها كذلك ؛ لأن هناك أحاديث عديدة منها ما ورد في الصحاح نذكر آيات أخرى كآخر ما نزل من القرآن، ومن ذلك آيات الربا والدين في سورة البقرة على ما ذكرناه في سياق تفسيرها. والله تعالى أعلم.
والآية الأولى من روائع آيات القرآن في الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقرير ما اتصف به من كريم الصفات وعظيم الأخلاق وكبر القلب الذي امتلأ برا وخيرا وحلما وإشفاقا ورأفة ورحمة وحرصا بالعرب والمؤمنين. ولعلها من هذه الناحية أروع ما في القرآن وأدل ما فيه على عظمة خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمال صفاته وكبر قلبه وعمق إخلاصه وشدة رغبته في هداية العرب وخيرهم وإنقاذهم. ولما كانت هذه الآية على الأرجح من آخر ما نزل من القرآن أو آخره فهي خاتمة رائعة بعيدة المدى والمغزى لكتاب الله المجيد الذي أنزله الله تعالى على رسوله العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.
ومع أن كمال هذه الصفات الكريمة مما يمكن أن يكون مختصا بمن علم الله أنه أهل لرسالته العظمى، فإن في الآية تلقينا لما يجب أن يكون عليه أولياء أمور المسلمين من صفات وأخلاق وحثا على الاقتداء بها ما داموا قد تولوا زمام هذه الأمور وقاموا مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها كما أن من شأنها أن تكون مقياسا لأهلية وصلاح وإخلاص أولياء أمور المسلمين ودعاتهم وقادتهم ودليلا عليها.
هذا، ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثانية حديثا عن أبي الدرداء رواه أبو داود أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه ) ( ١ )٦. والصيغة بمثابة دعاء والتماس من الله عز وجل. وقد قال الله : ادعوني أستجب لكم . وفيها على كل حال بعث لطمأنينة النفس وسكونها.
ولقد وقف المفسرون عند جملة : من أنفسكم وأوردوا بعض الأحاديث والروايات في صدد شمول الصلات الرحمية والقبلية بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومختلف قبائل العرب أو بطون قريش. وما ينطوي في ذلك من شدة الباعث على حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هداية قومه. ولقد كتبنا تعليقا على هذا في سياق الآية ( ١١٣ ) من سورة النحل وأوردنا طائفة مما روي من أحاديث وروايات فنكتفي بهذا التنبيه.
التفسير الحديث
دروزة