ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

ونلمس أنه-سبحانه وتعالى- رغم تعذيبه لهم، وتشديد التنكير عليهم، إلا أنه يفتح بابا للتوبة، وهي مسألة لا يقدر عليها إلا رب حكيم ؛ لأن الكل عبيد له ؛ مؤمنهم وكافرهم، هو خالقهم، وسبحانه يغار على صنعته، فبعد أن يشتد عليهم العذاب والخزي، ويشفى بهذا صدور القوم المؤمنين، بعد ذلك يفتح باب التوبة، وبهذا يعطي للمؤمنين قوة سماحة إيمانية، فلا يصطحبوا التعالي على هؤلاء إن جاؤوا تائبين مؤمنين فيقول سبحانه وتعالى :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٥ ) أي : أنه سبحانه يعلم كل متطلبات الأحكام، ولكل أمر عنده حكمة، فالقتال أراده الله عز وجل لِيَدُكَّ به جبروتهم، والتوبة حكمتها لمنع تمادي الكفار في الشر ؛ لأن مشروعية التوبة هي رحمة من الحق سبحانه وتعالى بخلقه، ولو لم يشرع الله التوبة لقال كل من يرتكب المعصية : ما دامت لا توجد توبة، ومادام مصيري إلى النار، فلآخذ من الدنيا ما أستطيع، وبذلك يتمادى في الظلم ويزيد في الفساد والإفساد ؛ لأنه يرى أن مصيره واحد مادامت لا توجد توبة، ولكن تشريع التوبة يجعل الظالم لا يتمادى في ظلمه، وبهذا يحمي الله المجتمع من شروره، ويجعل في نفسه الأمل في قبول الله لتوبته والطمع في أن يغفر له ؛ فيتجه إلى العمل الصالح عَلَّهُ يُكفِّر عما ارتكبه من الذنوب والمعاصي ؛ وفي هذا حماية للناس ومنع لانتشار الظلم والفساد.
إذن فالقتال له حكمة، والتعذيب له حكمة، والخزي له حكمة، والتوبة لها حكمة، وسبحانه وتعالى حين يعاقب، إنما يعاقب عن حكمة، وحين يقبل التوبة فهو يقبلها عن حكمة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير